عندما يصاب وطن بالخرف

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الخميس 9 فبراير 2017 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

ما عاد المشهد العربى السياسى سرياليا فقط، أى غير قابل للفهم، وإنما وصل إلى مرحلة الخرف.

لقد فضح، أولا، وجود ذلك الخرف إلى أقصاه تصريح وزير الخارجية الروسى الأخير بضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية، نعم، المناشدة جاءت من وزير الخارجية الروسى وليست من وزير خارجية عربى.

فالخرف لم يصل بعد إلى عقل وزير الخارجية الروسى، الذى لايزال قادرا على التفكير المنطقى. فهو يرى مندوبى الحكومة السورية يجلسون فى كل محفل دولى، بما فيه مجلس الأمن، ويحضرون كل الاجتماعات التى تعقدها هيئة الأمم للنظر فى إيجاد حل للمسألة السورية. وهو يرى وفودا برلمانية تذهب إلى سوريا لتطلع على أوضاعها ولتجتمع بمسئوليها.

أما المسئولون العرب الذين يحضرون اجتماعات جامعة الدول العربية فإنهم لايزالون يحملون نفس الانطباع الذى كان سائدا منذ خمس سنوات مضت، وهو أن سلطة الحكم فى سوريا هى فى طريقها للزوال.

والنتيجة هى أن جامعة الدول العربية، المسئولة عن حاضر ومستقبل كل جزء من الوطن العربى، تجد نفسها غير قادرة على المساهمة فى أى مداولات دولية لإخراج الشعب العربى السورى من محنته ومن الجحيم الذى يعيشه، وذلك بعد أن ارتكبت غلطة إخراج سوريا من الجامعة العربية، كسابقة نظامية خطرة وقبل أن تنجلى صورة نتائج الصراعات المتشابكة المعقدة فى الداخل السورى.

***

نحن هنا، لا ندافع عن هذه الجهة ولا نقف ضد تلك الجهة، فمثل هذه الأحكام هى من حق ومسئولية الشعب العربى السورى ولكن يحزننا أن نرى مبادرة تصحيح قرار عربى تأتى من خارج الوطن العربى لتبين العجز والشلل للإرادة العربية السياسية المشتركة.

لقد فضح، ثانيا، ذلك الخرف أن محاولات إيقاف الدمار المفجع الذى أصاب مجتمع القطر العربى اليمنى دخلت فى متاهات الغموض والمناورات الدولية وطغيان مشاعر الخلافات المذهبية والقبلية والتاريخية وذلك بسبب غياب الموقف العربى الموحد الحاضن لمصالح وآمال شعب اليمن المعذب المنهك، الذى ما إن يخرج من قبضة مجنون فاسد حتى يدخل فى قبضة الجنون الطائفى الأحمق المستعمل بانتهازية من قبل هذه الجهة الأجنبية الخارجية أو تلك.

يفضح، ثالثا، ذلك الخرف يوميا، وعلى امتداد عقود، أن خلافا حول قطعة صحراوية يظل مشتعلا دون أن توجد أى مبادرة عربية لإيصال الطرفين إلى حل يحتضن طموحات وآمال شعوب أقطار المغرب العربى الكبير، بعد أن أوصلت المماحكات والتشنجات هذا الموضوع إلى طريق مسدود.

يفضح، رابعا، ذلك الخرف ما تتناقله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى من همسات وتصريحات حول قضية القضايا العربية، قضية فلسطين. بعضها يدعو علنا إلى التطبيع مع العدو الصهيونى الذى يحتل فلسطين كلها ويستبدل شعبها بأغراب يهود يأتون من كل أصقاع الأرض، الذى يسجن ويقتل ويهمش ويهدم البيوت. وبعضها يدعوا إلى التخلى النهائى عن شعب فلسطين العربى، ومتناغما مع تصريحات مجرمى الصهيونية فى فلسطين المحتلة. ولم لا يحدث ذلك إذا كانت بعض الأنظمة العربية تتعامل مع الكيان الصهيونى وكأنه حكومة عربية فى الجامعة العربية؟

يفضح، خامسا، ذلك الخرف أن تنصاع دولة بترولية عربية لإملاءات الخارج وتقبل بأن تنخرط فى صراعاتها الدولية، ودون أن تتشاور مع شقيقاتها العربية المنتجة للبترول، لينتهى الأمر بالهبوط المتسارع المذهل لأسعار البترول، ودخول الجميع فى دوامة الديون والتقشف والمستقبل الملىء بالأخطار.

يفضح، سادسا، ذلك الخرف أن هذه الأمة المتخلفة فى الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلوم والتكنولوجيا، هذه الأمة المهددة بأن تصبح خارج التاريخ وخارج العصر، منشغلة إلى النخاع بصراع فقهى تاريخى طائفى بليد لا يمت بأى صلة إلى القرآن الذى أوحى لمحمد (صلعم)، والذى يكاد أن يحرق الأخضر واليابس، ويكاد أن ينخر المجتمعات ويفسد العلاقات الاجتماعية بين ساكنى أرض العرب.

وأخيرا، يفضح خرف هذه الأمة أن تستطيع مجموعات صغيرة من أبنائها إدخال أرض العرب وبقية العالم فى دوامة الجهاد التكفيرى العنفى الذى أضر إلى حدود التدمير بسمعة دين الإسلام، وهو الرسالة الوحيدة التى فاخرت هذه الأمة بأنها تحملها للعالم كله.

***

يستطيع الإنسان أن يذكر العشرات من التصرفات الخرقاء الجاهلة التى تموج بها أرض العرب والتى، شئنا أم أبينا، خجلنا أم تعنتنا، تدل على وصول المشهد العربى العام إلى مرحلة الخرف.

عندما يخرف إنسان يرسل إلى مصح لحمايته من نفسه، ولكن ماذا نفعل بأمة مكونة من أربعمائة مليون من البشر؟

ربنا أننا لا نطلب رد قضائك ولكننا نطلب اللطف فيه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved