غزة مختبر العالم من جديد
محمد حاموش
آخر تحديث:
الإثنين 9 فبراير 2026 - 7:15 م
بتوقيت القاهرة
منذ السابع من أكتوبر وبداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، تحوّلت غزة إلى حالة استثناء، حيث تتعطّل القوانين الدولية، ويتحاور الضمير الإنسانى، وتتم شرعنة الإبادة فى خضم البروباجندا الهائلة التى تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين. حيث لم تتوانَ إسرائيل عن استخدام هجوم السابع من أكتوبر كلحظة تاريخية جديدة تتجاوز كل ما سبقها. هذا الواقع مهّد لتحويل غزة إلى مختبر عالمى يتجاوز اختبار الأسلحة والتقنيات العسكرية وتكنولوجيات المراقبة والتحكّم، والتى كثر الحديث عنها، لتصبح مختبرًا للسياسات والدبلوماسية تُستبدل فيه القوانين الدولية بالمنطق التجارى ولغة الصفقات. تركت هذه الإبادة المستمرة، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار، العالم أمام تساؤلات كثيرة: هل نحن أمام نظام عالمى جديد تُستبدل فيه الأمم المتحدة بمجالس سلام خاصة تُشرعن الإبادة حسب الطلب والحاجة؟
كثر الحديث منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة عن كون غزة مختبرًا للعالم، إلا أن هذا الحديث كان منحصرًا غالبًا بالحديث عن التقنيات العسكرية والأسلحة وتكنولوجيات المراقبة، وحديثًا عن خوارزميات الذكاء الاصطناعى. ففى حين يُعدّ الكيان الإسرائيلى من الدول الأكثر تقدمًا من الناحية التقنية والتكنولوجية، يشكّل الغاية العسكرية العمود الفقرى لهذا التقدم، حيث تقود فرق المخابرات الإسرائيلية برامج التحديث والتطوير، لتقوم لاحقًا ببيع هذه المنتجات لدول العالم بعد تجربة فاعليتها على الفلسطينيين، وعرض النتائج على المشترين، كما وتخريج عناصر المخابرات للسوق العالمى كرّواد أعمال ومبتكرين. هذه التقنيات، والتى يتم تجربتها فى ظروف الحرب والحصار، لا تنحصر استخداماتها بهذا الغرض، إنما يتم استخدامها لإنتاج مروحة واسعة من التقنيات والآليات ذات الاستخدام المدنى والسلمى أيضًا.
تعمل هذه الجهات ضمن نظام متكامل يقوم الاحتلال من خلاله بممارسة أشكال متعددة من الإبادة، بدءًا بالتدمير الكامل والقتل فى غزة، إلى التقسيم والرقابة فى الضفة الغربية، وليس انتهاءً بالسيطرة التقنية وفرض المناطق العازلة فى جنوب لبنان. يمارس الكيان الإسرائيلى هذه الإبادة فى حين يقوم بالابتكار العلمى وتصدير الصورة الحضارية والراقية عن المجتمع الإسرائيلى على الجهة الأخرى من جدار الفصل العنصرى القائم على كامل حدود إسرائيل مع دول المنطقة. هذه الصورة، التى تشكّل العمود الفقرى للاستراتيجية الإسرائيلية العالمية، تحاول تصوير إسرائيل على كونها الاستثناء فى وسط الفوضى والغوغائية المنتشرة فى جنوب غرب آسيا والعالم العربى. وقد عملت إسرائيل على استغلال هجوم السابع من أكتوبر لتحويله إلى نقطة البداية التاريخية التى تتشكل عندها حالة الاستثناء، وبالتالى تحويل الفلسطينيين بشكل عام وغزة بشكل خاص إلى استثناء آخر تتوقف فيه القوانين الدولية، وتحصل فيه إسرائيل على مطلق الحرية فى ممارسة حربها لحماية استثنائها المميز من أى تهديد.
إلا أن حالة غزة بوصفها مختبرًا للعالم قد تجاوزت مختبر الأسلحة والتقنية المألوف لتصبح ساحة للاختبار السياسى والدبلوماسى، لا سيما مع صعود دونالد ترامب للرئاسة فى الولايات المتحدة. كما أن سياسات دونالد ترامب أصبحت تقوم على تحويل حالة الاستثناء إلى واقع جديد. ففى حين كانت غزة حالة الاستثناء التى تقوم فيها الولايات المتحدة بتعطيل قرارات مجلس الأمن الدولى ومقترحات وقف الحرب من خلال الفيتو، باتت اليوم تسعى لتجاوز الأمم المتحدة ككل من خلال الاعتماد على طرق مختلفة لإدارة النزاعات وحل الصراعات. وقد قام ترامب مؤخرًا بتتويج هذه الانعطافة الدبلوماسية بتشكيل ما سُمّى بمجلس السلام، والذي، وإن كان يهدف للإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة وإدارة القطاع فى مرحلة ما بعد الحرب، إلا أن ترامب قد صرّح بأن هذا المجلس قد يمتد للعمل على نطاق أوسع وتولى قضايا وصراعات دول أخرى فى الكوكب، مما يحوّل غزة إلى مختبر للدبلوماسية ولنظام دولى جديد.
على الرغم من أن التساؤل حول جدوى الأمم المتحدة يُعد تساؤلًا مشروعًا فى ظل فشل الأمم المتحدة فى إيقاف الحرب على غزة، أو بحكم تراجع دورها وقدرتها بشكل عام، إلا أن البديل الذى يقوم ترامب بطرحه والترويج له يُعد بديلًا خطيرًا. فمنذ لحظة استلامه للسلطة فى يناير من العام 2025، كان توجه ترامب واضحًا من حيث رغبته فى استغلال سطوة الولايات المتحدة وقوتها العسكرية والدولية لأهداف اقتصادية خاصة، حيث صرّح بوضوح برغبته فى تحويل غزة إلى ريفييرا الشرق الأوسط، وقدّم مقترحات لتحويل مناطق جنوب لبنان وجنوب سوريا إلى مناطق اقتصادية، فى حين قدّم مقترحات لإنهاء حرب أوكرانيا مقابل حصوله على نسب ضخمة من مناجم المعادن فى أوكرانيا، كما قام باعتقال رئيس فنزويلا لتسهيل دخول مصالح الولايات المتحدة وشركات النفط إلى السوق الفنزويلى.
• • •
هذا الواقع، الذى استشرفه منتدى البدائل العربى بوصفه عدوانًا يتجاوز غزة وتمتد آثاره إلى مختلف القضايا والأبعاد، حيث تحدث فى ورقته الصادرة فى نوفمبر من العام 2023 تحت عنوان: العدوان الإسرائيلى المستمر «ليس صراعًا مع حماس فقط ولا غزة فقط»، عن صراع المفاهيم والمصطلحات والخطاب الإسرائيلى فى الحرب على الإرهاب، وصولًا إلى تحليل دور الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية بنظرة نقدية، حيث تحضر الخطابات وتغيب الأفعال دائمًا فى قضايا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلى، مظهرًا كيف يتجاوز العدوان الإسرائيلى حدود قطاع غزة، سواء من الناحية المباشرة حيث شهد العالم حالة تضامن واسعة أعادت القضية الفلسطينية إلى مقدمة المشهد، أو من الناحية غير المباشرة حيث إن الممارسات الإسرائيلية والنهج الأمريكى فى التعامل معها أسّست لتغييرات كبيرة على المستوى العالمى تتحدى البنى القائمة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
اليوم، يقوم ترامب بمأسسة هذا النهج من خلال تشكيله «مجلس السلام»، الذى يضم المهتمين من رؤساء الدول الصديقة لترامب، على أن يحصل العضو منهم على مقعد ثابت فى حال تسديده مبلغ مليار دولار لصندوق المجلس، فى حين يقرر ترامب استثناء الدول التى لا تتماشى مع مصالحه ورؤيته أو تُسائلها. وفى حين أن المسئولية المعلنة لمجلس السلام هى الإشراف على اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة وإدارتها فى فترة ما بعد الحرب، إلا أن ترامب لا يتوانى عن الاعتراف بأن غزة هى ساحة التجربة، وأن حدود عمل المجلس قد تتجاوز غزة.
ينبغى ألا نرى تأسيس هذا المجلس بعيدًا عن خطوات ترامب بالانسحاب من الهيئات الدولية ووقف تمويله للمنظمات الدولية والأمم المتحدة، حيث تقوم سياسة الرئيس الأمريكى على مبدأ يرى الصراعات فرصًا تجارية ومصالح استثمارية، وبالتالى تتحوّل مدفوعات الدول من تحمّل المسئولية تجاه التحديات والمشاكل التى تواجه البشر والكوكب إلى مصاريف استثمارية تقوم على دراسة الجدوى، ويتم سحبها أو حجبها فى حال عدم وجود مصلحة مادية. وهكذا يكون ترامب قد أكمل رؤيته بتفريغ الهيئات الدولية من محتواها السياسى واستبدالها بمجالس رجال أعمال وصفقات اقتصادية.
الخطير أيضًا فى طرح ترامب ومجلس السلام أن التدخل لا يأتى بالضرورة ليسبق الحروب والدمار أو يقوم على اتفاقات ومعاهدات تمنع حدوثها وتحفظ حقوق الشعوب وسيادة الدول، إنما، وفى النظر إلى حالة غزة، يأتى ليستثمر فى الحروب والدمار أو يستعين بها لتجهيز الأرضية للاتفاقات الاقتصادية ولرجال الأعمال. فعلى الرغم من تسميته بمجلس السلام، وتفاخر ترامب بقدرته على حل الصراعات وإيقاف الحروب، إلا أنه لا يتوانى عن اللجوء إلى الخيار العسكرى فى حال تهددت مصالح الولايات المتحدة، كما حدث فى فنزويلا وإيران.
وبذلك يمكن النظر إلى أن ما حدث فى غزة لم يكن اختبارًا للأسلحة والتقنيات العسكرية وتصديرها للعالم للاستخدامات القمعية والرقابة وحسب، بل تعدّاه ليكون مختبرًا لنظام عالمى جديد يقوم على تثبيت التفوق العسكرى لأمريكا وحلفائها، وعلى تحويل الاستثناء إلى القاعدة. فالإبادة التى يمارسها الكيان الإسرائيلى ليست مجرد نتيجة للأسلحة المستخدمة، بل هى تجربة لنموذج حكم يرى الإبادة وسيلة مشروعة لتمرير المصالح الاقتصادية.
باحث مساعد بمنتدى البدائل العربى للدراسات ــ بيروت