أى ثورة وصلت إلى هؤلاء؟

سامح فوزي
سامح فوزي

آخر تحديث: السبت 9 أبريل 2011 - 9:49 ص بتوقيت القاهرة

 التأمل فى حال ثورة 25 يناير «سياحة فكرية» بعد مرور شهرين بالكمال والتمام على تخلى مبارك عن السلطة. مليونيات الجمعة تقول إن الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها، ولكن إلى أى حد تدفقت الثورة إلى مؤسسات المجتمع التى نريد إعادة بنائها على أسس ديمقراطية، ونسعى كى تكون أدوات حقيقية فى نشر المساواة واحترام حقوق الإنسان والمشاركة. هناك فريق لم تصلهم ثورة التحرير بعد، وهناك من سبقتهم إليها ما اصطلح على تسميته الثورة المضادة، والتى ابتذلت إلى حد أن أصبحت شماعة نعلق عليها كل مظاهر الإخفاق فى إدارة شئون الدولة والمجتمع.

هذه مجرد تأملات فى حال الأحزاب والنقابات والمؤسسات المعنية بقضايا المرأة والطفل، والتى يشكل النهوض بها بناء مجتمع حديث.


(1)


لم تصل الثورة إلى الأحزاب والقوى السياسية القديمة، التى لا تزال ترى أن وجودها يتطلب أن تمارس نفس الأساليب التى اعتادت عليها على مدى عقود. المسألة بالنسبة لها تتعلق ليس فقط بثقافة سياسية فاسدة نشأت فى حضن نظام مبارك، ولكن بالشعور العميق أن شرط البقاء فى المعادلة السياسية هو ممارسة الدور القديم. ومن يطالع التصريحات، ويتأمل التصرفات يصل إلى نتيجة أن ما يحدث لا جديد فيه، وأن هذه الأحزاب والقوى السياسية تعيد إنتاج نفسها. الأمثلة على ذلك كثيرة. منها تنشيط خطاب الاستقطاب الدينى ــ المدنى، استدعاء ترسانة من خطابات التشكيك والتخوين والتكفير، وعودة الانتهازية عند بعض الأطراف السياسية التى ساعدت على تعميق جذور النظام الاستبدادى السابق. وتكفى نظرة إلى عناوين الصحف والمقالات المنشورة، أو تحليل سريع لمضمون الأحاديث فى البرامج الحوارية على الفضائيات حتى نتبين أن المجتمع لا يزال يهرول فى سراويل النظام السابق. نخب سياسية لم تتغير، ويبدو أنه لا توجد نية فى التغيير، والأكثر أنها ترى أن بقائها «على قديمه» شرط أساسى لاستمرارها. الإشكالية الحقيقية أن المجتمع يتحرك بإيقاع أسرع من تحرك النخبة السياسية التى تمتطى المشهد، وتصعد على أكتاف الثورة، بحيث بات الكل ثوريا، ومفجر ثورات، صانع التغيير، وضامنا له.

كان يمكن تلافى كل ذلك إذا امتدت الثورة بالفعل إلى الأحزاب والقوى السياسية، بحيث تقوم بحلها جميعا، وتدعو إلى إعادة تأسيسها. لا معنى الآن للمطالبة بحل الحزب الوطنى، وترك شركاء له فى المعارضة، استكانوا له، وتواطأوا معه، وعاش بعضهم على فتات الإعانة المالية التى يتلقها. الجميع يعلم أن الأحزاب القائمة التى ناهزت أربعة وعشرين حزبا أنشأها السيد صفوت الشريف، وأدار العلاقات بداخلها، وعلاقاتها بعضها ببعض جهاز أمن الدولة. البقاء على النظام الحزبى السابق، مع محاولة تطعيمه بأحزاب جديدة سوف تظهر على السطح، يحمل مخاطرة البقاء على الممارسات والخطابات القديمة، واستدعاء معارك التشرذم التقليدية لتصبح عنوانا أو أحد العناوين الكبرى فى المرحلة القادمة.


(2)


فريق ثانى وصلتهم الثورة بشكل مختلف هم القائمون على سياسات اجتماعية مهمة فى المجتمع المصرى، تتعلق فى الأساس بالمرأة، وتمكين الفتيات، وحماية الطفولة، وبالتحديد المجلس القومى للمرأة والمجلس القومى للطفولة والأمومة. كلاهما فى حالة ثبات، وترقب، وكمون وإن اختلفت الأسباب.

المجلس القومى للمرأة لا يستطيع العمل بعد حرق مقره بالكامل، ولم تعد لجانه النوعية قادرة على النشاط، والمحافظون فى مختلف المحافظات لم يعودوا يتعاونون معه. السبب بوضوح أن المجلس ارتبط بالسيدة سوزان مبارك، رغم أنه نشأ تنفيذا لمقررات مؤتمر المرأة ببكين عام 1995م، والآن يبدو أنه فى طريقه للزوال، شأنه فى ذلك شأن الكثير من المنشآت التى حملت اسم قرينة رئيس الجمهورية السابق. أما المجلس القومى للطفولة والأمومة فله وضع مختلف، فقد كان تابعا لوزارة الأسرة والسكان، التى ألغيت فجأة، ثم ألحق بوزارة الصحة والسكان.

المشكلة ليست فى تبعيته، ولكن فى توجهاته الحالية، التى يبدو أنها تشكل تخليا عما تحقق فى المرحلة السابقة من إنجازات اجتماعية مهمة على صعيد حماية الطفل، سواء بتجريم ختان الإناث، ورفع سن الزواج، ومحاربة الاتجار فى البشر بتجريم زواج القاصرات والزواج السياحى، إلخ. التخلى عن الإنجازات الاجتماعية يحدث بوتيرة هادئة، وفى صمت مريع إما خوفا أو نفاقا أو رغبة من جانب أمينة المجلس القائمة فى إعادة تقديم نفسها للمجتمع دون قبعة لجنة السياسات بالحزب الوطنى، مرتدية قبعة جديدة، لكنها للأسف أقرب إلى السلفية الدينية. كل ما تحقق من خطوات ايجابية على صعيد قضايا المرأة والطفل ليس منجزات لنظام سابق، لكنها مكتسبات اجتماعية مهمة للشعب المصرى، لا يصح التخلى عنها فى إطار القضاء على تركة مبارك وزوجته، وتركها نهبا لسماسرة الأجساد، ودعاة التخلف، وأنصار الثقافة الرجعية.

مجمل الحديث يدور فى الوقت الراهن حول الانتخابات البرلمانية والرئاسية، الدستور القادم، الأحزاب الجديدة، ولكن لم يلتفت كثيرون إلى ما يمكن يحدث من ردة على الصعيد الاجتماعى فى مجال حقوق المرأة والطفل إذا هدم ما تحقق، فلن نجد أساسا اجتماعيا حقيقيا للدولة الحديثة التى نسعى لإنشائها. لا أظن أن الثورة التى قامت من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية يكون من نتائجها تدهور أحوال المرأة والطفولة فى المجتمع. ولكن للأسف هذا ما يحدث الآن.


(3)


النقابات المهنية تشكل مساحة أخرى لم يصلها مضمون الثورة بعد، فقد ظلت هذه النقابات لسنوات طويلة إما مجمدة، أو مجالا للصراع والاستقطاب، أو عنوانا للمشاركة السياسية نتيجة انغلاق المجال السياسى. ولكن بسقوط قانون النقابات المهنية رقم (100) دستوريا قبل ثورة 25 يناير، أصبح على كل نقابة أن تجرى الانتخابات بها بالعودة إلى قانونها القديم، قبل صدور القانون الموحد الذى استخدمه نظام مبارك لخنق النقابات المهنية.

الظاهر أن النقابات المهنية فى حالة من التخبط، بعضها دعا لانتخابات، وآخر يبحث عن رفع الحراسة عنه مثل نقابة المهندسين وسط حالة استقطاب بين الإخوان المسلمين وحركة مهندسون ضد الحراسة التى انسلخوا عنها، وفريق ثالث يعيد النظر، ويقلب الأمور، ولم يصدر عنه موقف واضح وهو حال غالبية النقابات. أحد أهم مشكلات العمل النقابى هو تردى الوعى النقابى لدى قطاعات عريضة من أبناء الطبقة الوسطى الذين لم يعودوا يدركون النقابة بوصفها طرفا منظما فى الحياة المدنية للتفاوض من أجل حقوق أعضائها، ولكن مؤسسة ترخص لهم مزاولة المهنة، وتوفر لهم سلعا مدعمة، وتقدم لهم مصايف منخفضة التكاليف.

خذ مثالا على ذلك نقابة الصحفيين التى سارت على هذا الدرب طيلة العقود الآخيرة، لكنها تدهورت بشكل مريع فى عهد نقيب الصحفيين المستقيل مكرم محمد أحمد الذى نجح فى انتزاع الفعل والحركة من النقابة، وحولها إلى نقابة خدمات، وبدل نقدى للصحفيين، ومجمع استهلاكى، فضلا عن إشاعة أساليب فى التعامل النقابى متدنية. التجريف الذى حدث فى الوعى النقابى لقطاعات واسعة من شباب المهنيين، إما نتيجة تجميد نقاباتهم، أو تجريف مضمون العمل النقابى يحتاج بلا شك لسنوات من العمل المكثف حتى يعود الوعى لهم. النهوض بالعمل النقابى يتطلب أن تتفق كل الأطراف والقوى السياسية على مرحلة انتقالية فى كل نقابة، تقدر بدورة انتخابية، تجرى الانتخابات فيها وفق قائمة موحدة، وذلك حتى يتسنى وضع أسس العمل النقابى الديمقراطى فى أجواء من الائتلاف والتوافق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved