ومن التعاطف ما قتل.. السينما العربية والأبوة المفسدة (1-2)

إبراهيم العريس
إبراهيم العريس

آخر تحديث: الخميس 9 أبريل 2026 - 8:10 م بتوقيت القاهرة

كان ذلك قبل نحو عقدين من اليوم. كنا أنا وصديق لبنانى واسع الاهتمام بالسينما الفلسطينية النضالية، بل منخرط فيها تمامًا، فى طريقنا إلى تونس حيث نشارك فى أيام قرطاج السينمائية التى كانت ولا تزال واحدة من أقوى مناسبات السينما النضالية العربية وسينما المؤلف المرتبطة بها. فجأة التفت إلىّ الصديق، وعلى وجهه علامات قلق تزداد حدة مع مرور الوقت. بدا عليه أنه يريد أن يقول شيئًا، لكنه مرتبك بعض الشىء. سألته ما به، فقال إنه قلق. علامَ؟ سألته باهتمام. صمت بعض الوقت، ليقول إثر ذلك: «أنا قلق على فيلمى الذى أشارك به فى إحدى مسابقات المهرجان الرسمية». وهنا، لما سألته عن داعى القلق، أجاب بشىء من التردد أنه يخشى ألّا يحصل على جائزة عن الفيلم. فهو بحاجة ماسة إلى جائزة لأسباب إنتاجية، ولتأكيد مكانته فى تراتبية منتجى ومخرجى هذا النوع من السينما فى بلده. ابتسمت وقلت له ببساطة إن عليه ألّا يقلق، ففيلمه سيحصل على الجائزة التى يحتاجها بكل تأكيد. التفت إلىّ بدهشة متسائلًا عما إذا كنت قد شاهدت الفيلم؟ وكيف؟ وأين؟ طمأنته أننى لم أشاهده، وأن ما أقوله ليس على الإطلاق رأيًا فى الفيلم، بل تأكيد على حقيقة لم يعد فى إمكانى أن أغضّ النظر عنها. فسألنى باستغراب: إذًا كيف يمكننى أن أحكم على الفيلم دون أن أشاهده؟ ضحكت وقلت له إنه طالما الفيلم فلسطينى، ستكون ثمة جائزة فى انتظاره. فالمهرجان ومحكّموه لا يمكنهم أن يفوّتوا فرصة التعبير عن حبهم لفلسطين وتأييدهم لها، ولو من طريق تلك الجائزة! وأردفت خاتمًا: «هل حضرت، يا صديقى، مهرجانًا لم تُعطَ فيه السينما الفلسطينية، ومهما كان شأنها ومستواها، جائزة وأكثر من جائزة؟!»
أغضب كلامى ذلك الصديق، لكن الحقيقة بقيت ماثلة لا يمكن نكرانها. وهى حقيقة لم تتوقف منذ سنوات طويلة عن الإطلال برأسها عند كل مناسبة «سياسية» وفى كل مناسبة سينمائية. وهى بلغت، مع ظهور ما يسمى بالربيع العربى، تفاقمًا حوّلها إلى ظاهرة يمكننا الآن التساؤل عما إذا كانت قد أفادت السينما العربية، أم أنها قد أضرت بها. قبل ذلك، كانت قد تتابعت مهرجانات وأفلام واهتمامات بالسينمات العربية، بشكل ربما يكون قد تواكب حقًا مع تطور هائل أصاب تلك السينمات بعد مراحل أولى كانت الأفلام المتحدثة عن الأوضاع والأحلام العربية فى عهدة سينمائيين يأتون من الخارج، ولا سيما من أوروبا، ولكن من غير أوروبا أيضًا، راغبين فى المساهمة فى ولادة متن سينمائى يتواكب مع تطورات سياسية ونضالية خاصة فى البلدان العربية. ويمكننا أن نقول إن ذلك التعاطف، حتى وإن لم ينعكس تطورًا فى السينمات العربية، فإنه تجلّى على أية حال، وبصورة خاصة، فى المساهمة السينمائية فى نشر الوعى بالقضية الفلسطينية.
كانت أفلامًا متخمة بالنوايا الطيبة، وتلقى ترحيبًا ورواجًا، ويمكن القول إنها ساهمت، إلى حدود مقبولة، فى التعريف بالقضية ولمّ المؤيدين من حولها. غير أنها، فى المقابل، غالبًا ما اتسمت بديماغوجية وتبسيطية منعتها من أن تلعب دورًا حقيقيًا يمكن للسينما أن تلعبه فى طرح القضايا بإبداع حقيقى، خاصة أنها، وفى معظم الأحيان، بدت من نمط التبشير بين مؤمنين. غير أن هذا تبدّل منذ أمسك الفلسطينيون بقضيتهم السينمائية فى أيديهم، ليحققوا، بتوقيع من ميشال خليفى وإيليا سليمان ومى مصرى ونجوى نجار، ثم شيرين دعيبس وسهى عراف وآن مارى جاسر، ونحو دزينة أخرى من مبدعين سينمائيين حقيقيين، متنًا سينمائيًا حقيقيًا لا ينفصل فيه البعد الجمالى الفنى عن البعد الفكرى والسياسى. وما حدث على الصعيد الفلسطينى هنا، حدث كذلك فى لبنان، وفى سينما مصرية جديدة، كما فى المغرب وتونس... إلخ.
مع مثل هذه السينمات، لم تعد المهرجانات، كما لم يعد النقاد الغربيون، بين آخرين، فى حاجة إلى تلك «المسايرة» والنظرة الأبوية التى كانت قد باتت عادة قبل ذلك لا يمكن الاستغناء عنها فى تعبير ما عن تعلق بالقضية. لكنهم، مع ذلك، ظلوا «متعاطفين» حتى حين راحت الأفلام تبدو لهم أعمالًا فنية كبيرة. وتابعهم فى ذلك الكاتبون المحليون عن السينما، وهو أمر حرم الأفلام وجمهورها من ذلك «الوسيط النقدى» الذى لا مفر من حضوره وتدخله، مهما كانت تميّزات الأفلام المعنية وقوتها.
فى مجال آخر، كان محمود درويش قد أطلق، عند بداياته حين انطلق شعر المقاومة الفلسطينية خلال النصف الأول من سنوات الستين، صرخته التأسيسية: «ارحمونا من هذا الحب القاسى!». لكن الحب بقى، فى مجالنا الذى نتحدث عنه هنا، قاسيًا إلى درجة غيّبت حتى النظرة الجدية التى كان يمكنها، وعلى سبيل المثال، أن تكشف، كتعبير عن أهمية المتن السينمائى الفلسطينى المميز الذى أشرنا إلى مبدعيه أعلاه، ليس فقط عن تميز ذلك المتن، بل أكثر من ذلك، وفى مجال ينتمى إلى الدراسة النقدية المقارنة، ما يتعلق بالتنبه إلى كيف أن السينما الفلسطينية «الجديدة» عرفت كيف «تنتج» عند الجانب الآخر (أى السينما الإسرائيلية الجديدة المزامنة لها) تيارًا سينمائيًا يحمل جماليات، بل حتى فكرانيات وحلولًا للقضية الكبرى لا تبعد كثيرًا عما حملته الأفلام الفلسطينية. (ولعل فى إمكاننا هنا أن نفتح هلالين لنذكر أن كثيرًا من الإسرائيليين المتطرفين اعتبروا ذلك المتن السينمائى الإسرائيلى خنجرًا يُغرز فى ظهر الدولة العبرية وصهيونيتها، لكن هذه مسألة أخرى قد نعود إليها يومًا).
فى هذا المجال أيضًا وجدنا أنفسنا أمام فرص ضائعة أخرى. لكن الطامة الكبرى ستكون لاحقًا، وكما أشرنا أعلاه، حين اندلع ما يسمى بالربيع العربى، ثم تبعته سينما تعبر عن الأحداث الأكثر خطورة، من ثورة يناير المصرية إلى الثورة السورية، مرورًا بالنهضة السينمائية التى عرفتها تونس، ولا سيما عبر السينما «النسوية» فيها، وصولًا إلى السينما التى ظهرت على هامش الأحداث الرهيبة والجرائم التى ارتكبها اليمين الإسرائيلى، والحماقات العربية التى ارتبطت بحرب غزة ومجازرها.
وإذا كنا سنترك الحديث عن هذا التطور الكبير فى التعامل مع السينما التى وُلدت من تلك الأحداث، والتى كشفت، أكثر ما كشفت، عن إمعان فى تدهور السينمات العربية نوعيًا إن لم يكن كميًا، إذا كنا سنترك هذا الحديث لحلقة ثانية وأخيرة من هذا الكلام، لا بد أن نختم هنا بالتأكيد على أن المسألة ليست، فى نهاية الأمر، فنية وجمالية فقط، بل هى مسألة سياسية، وتتعلق بالجوهر الحقيقى للدور الذى كان يمكن أن تلعبه السينما فيما حدث لو أتيحت لها فرصة أن تكون سينما تقدم نفسها وقضيتها بنفسها، من دون ذلك التفخيم الذى أوصل الأحلام إلى «أوسكارات» منشودة، و«سعفات ذهبية» «متوقعة» لأعمال لا تستحقها، لكن أصحابها اعتقدوها فى انتظارهم، وعلى مستوى «إبداعهم»، ما كان لا بد له، فى نهاية المطاف، أن يتبدّى أضغاث أحلام لا تسمن ولا تغنى من جوع، كما سنرى فى عودة إلى الموضوع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved