فقدان التوازن السياسى الرابع للأمة

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الخميس 9 مايو 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

عبر أكثر من قرن ونصف والأمة العربية، وبالتالى مجتمعات وطنها العربى، تعيش حالة انعدام الوزن السياسى. إبّان ذلك الزمن الطويل مرّت فى أربع محاولات لاستعادة ذلك التوازن الضرورى لكل عملية نهوض. وفى كل مرة تنتهى المحاولة بحصاد لا يكفى لعملية النهوض والتحديث الذاتى. دعنا نفصّل باقتضاب شديد ما نعنى بذلك.

 

•••

 

بدأت المحاولة الأولى فى القرن التاسع عشر عندما حاولت مجموعة من المفكرين الإصلاحيين الإسلاميين، أمثال محمد عبده والافغانى والطهطاوى والكواكبى وغيرهم، طرح مشروع قراءة جديدة للدين الإسلامى لإخراج بلاد العرب والمسلمين من التخلف الفقهى والحضارى. كانت محاولة فكرية إسلامية للتحرر من نير الاستعمار من جهة وللخروج من سبات القرون إلى ألق العصر من جهة ثانية.

 

لكن تلك المحاولة توقَّفت فى منتصف الطريق ولم تقُد إلى مشروع سياسى يقلب الأفكار إلى فعل فكان من السَّهل الانتقال إلى المحاولة الثانية التى تمثّلت، بدعم من قوى الاستعمار الغربى ومن بعض المفكرين، فى تقديم المشروع الليبرالى بوجهيه الاقتصادى الرأسمالى والسياسى الديمقراطى التمثيلى البرلمانى.

 

لقد أريد لتلك المحاولة أن تتعايش مع إقطاع زراعى وتحالف قبلى ــ عائلى ــ مالى فكان أن تشوَّهت وأصبحت مظهرية مزوّرة ففقدت المجتمعات العربية أملها فى تلك المحاولة الأمر الذى هيُّأ لقبول المحاولة الثالثة المتمثّلة فى انقلابات عسكرية متتالية جاءت تحت مظلّة المشروع القومى العربى، فكرا وممارسة.

 

لقد كانت المحاولة الثالثة واعدة وفاعلة فى الواقع السياسى العربى بسبب وجود فكر سياسى معقول يقف وراءها، وأحزاب وحركات سياسية تناضل من أجل تحقيقها، وقيادات تاريخية، من مثل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، تجيِّش الجماهير لدعمها. لكنّ التكالب الصهيونى والاستعمارى من جهة وبعض الأخطاء المرتكبة من جهة ثانية أدّيا إلى التراجع المعروف لتلك المحاولة، الأمر الذى أوجد فراغا سياسيا فى حياة الأمة كان لابدُّ من ملئه، فكان أن دخلت الأمة فى المحاولة الرابعة.

 

المحاولة الرابعة هى التى تعيشها الأمة العربية، عبر الوطن العربى كله، حاليا. إنها خلط من فعل ثورى كما حدث فى تونس ومصر مثلا، ومن صعود مفاجئ للإسلام السياسى. وكما كان الحال مع المحاولات الثلاث السَابقة فإن المحاولة الرابعة تواجه المشكلات والأهوال الخارجية والداخلية.

 

•••

 

أما الخارج فلا يحتاج إلى تبيان. فالمحاولة الرابعة تواجه الصهيونية التى تسعى بكل قواها لتدميرها، وهى تواجه الاستعمار الغربى الساعى لوضعها تحت جناحية، وهى تواجه قوى إقليمية تسعى لأن تهمين على مسارها.

 

لكن الإشكالية الأكبر تكمن فى الداخل. فالصمود الإسلامى السياسى منقسم على نفسه فيما بين وسطية قليلة الخبرة والكفاءة وغير مهيّأة للقيام بقيادة تاريخية وبين سلفية متزمّتة مهووسة بالقشور من الأمور وبالتراجع التاريخى العبثى وبين جهادية انتحارية تقتل الأبرياء وتساهم فى تدمير المجتمعات. هذه الوجوه الثلاثة للإسلام السياسى، المتصارعة فيما بينها، غير القادرة على قيادة الزَّخم الثورى الذى تعيشه المجتمعات العربية، مع العجز المفجع عند القوى الثورية الشبابية فى الانتقال من الفعل الثورى إلى المشروع السياسى.. هذا كله بدأ يفعل فى الإنسان العربى العادى فعله، إذ هناك بوادر فقدان للأمل وشكوك فى إمكانية نجاح المحاولة الرابعة.

 

النتيجة هى أننا فى بدايات دخول الأمة فى دورة فقدان للتوازن السياسى، وبالتالى فقدان للقدرة على الاختيار، اختيار مسار سياسى واضح المعالم تجتمع من حوله كتلة جماهيرية كبيرة، تؤمن به وتناضل من أجله وتطمئن إلى أنه سيقودها إلى مستقبل نهضوى حداثى ذاتى. من هذه الأهمية القصوى لوجود الكتلة التاريخية التى ستعمل من أجل بلورة ذلك المسار للأمة ومن أجل تنظيم القوى للعمل فى سبيل إنجاحه ومن أجل إرجاع الأمل فى النفوس.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved