علامَ تتفاوض إيران؟

أيمن زين الدين
أيمن زين الدين

آخر تحديث: الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

مع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من الاتفاق على مذكرة تفاهم حول إنهاء الحرب وبدء مفاوضات لتسوية القضايا الخلافية بينهما، انطلقت محاولات استقراء من الرابح ومن الخاسر فى هذا الاتفاق، وماذا قدم كل طرف من تنازلات. 

والحقيقة أن إدارة ترامب، عندما قبلت بمبدأ التفاوض، ربما تكون قد قدمت أهم تنازل فى مواجهتها مع إيران، بعدما تبين لها مخاطر وعدم جدوى العمل العسكرى، وهو تراجعها -حتى لو تصورت أن هذا أمر مرحلى- عن هدف إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وقبول الدخول فى تفاهمات معه قد تُفْضِى إلى إنهاء الحصار الاقتصادى والعسكرى والدبلوماسى المفروض عليه منذ عقود، كليا أو جزئيا، مقابل التزام إيران بقيود على جوانب هامة من برنامجها النووى، ستتحدد فى إطار المفاوضات التى تعقب إقرار مذكرة التفاهم، فى عودة إلى صيغة مشابهة للاتفاق النووى المبرم بين إيران والقوى الكبرى بقيادة الولايات المتحدة عام ٢٠١٥، والذى ألغاه ترامب فى فترته الأولى عام ٢٠١٨، واصفا إياه بأنه أسوأ اتفاق التاريخ. 

صحيح أن قلق أمريكا وإسرائيل من توجهات إيران لن يخبو لو تم الاتفاق، لا سيما وأنه سيتيح لها الخروج من الأزمة الحالية دون هزيمة، وأنها ستستعيد مساحة حركة اقتصادية ودبلوماسية أوسع، إلا أن المواجهة الحالية أكدت أن نظام الجمهورية الإسلامية أرسخ من أن يتم تقويضه عسكريا، وأن تعديل توجهاته بالقوة أمر بالغ الصعوبة، ويحمل تكاليف باهظة، على نحو يجعل أى إدارة أمريكية مقبلة تفكر كثيرا قبل الإقدام على مغامرة أخرى من هذا النوع، وربما تدفع إلى التفكير فى قبول المنهج الذى تصورته إدارة أوباما من أن تعديل توجهات إيران يكون باستيعابها تدريجيا وجعلها تختار طوعا أن تكون لاعبا أقل تمردا، مثلما جرى مع فيتنام بعد انتهاء حرب الولايات المتحدة معها فى السبعينيات.

لكن ماذا عن إيران؟ ماذا تكسب فى هذا الاتفاق، وعم تتنازل؟ هذا يستدعى تحليل الأمر من وجهة نظر إيران، أخذا فى الاعتبار منهجها التفاوضى وأهدافها الجوهرية، وفقا لما كشفت عنه تجارب السنوات الطويلة من تفاعل إيران مع العالم، ومن تفاوضها مع الغرب فى هذه الملفات.

• • •

أظهرت إيران، عبر عقود طويلة، قدرات تفاوضية متميزة، أتاحت لها تحقيق أقصى قدر من المكاسب تتيحه لها إمكاناتها ووزنها، بل وأحيانا تخطيها، من خلال تبنى مجموعة أدوات تفاوضية، ربما تكون معروفة لخبراء التفاوض، لكنها توظفها بشكل بالغ المهارة. 

أول هذه الأدوات هو تبنى مطالب وخطوط حمراء تفاوضية تزيد عن الأهداف التفاوضية الحقيقية، تكون أحيانا غير واقعية، وتقديمها بكل جدية، والإصرار عليها وتعظيم درجة التمسك بها، بحيث ترفع قيمتها لتبدو -عندما يأتى وقت التفاوض الحقيقى- أوراقا ثمينة يمكن المساومة بها، كليا أو جزئيا، كمقابل لتحقيق مكاسب أخرى، أو لدفع الطرف الآخر إلى التنازل عن بعض مطالبه أو خطوطه الحمراء.

يأتى بعد ذلك حرص إيران على التفرقة الصارمة بين مرحلة المناورة السياسية والخداع، وبين مرحلة المفاوضات الحقيقية، مع بذل كل الجهد لقراءة حقيقة مواقف الطرف الآخر واختبار جديته للتحقق مما إذا كان لا زال يناور أم أنه أصبح جاهزا للتفاوض، بحيث يتجه جهدها كله وقت المناورة إلى المناورة وإبداء التشدد لتحسين موقفها التفاوضى، وتأجيل إظهار المرونة وتقديم التنازلات إلى مرحلة التفاوض الحقيقية، عندما يتأكد أن الطرف الآخر أصبح مستعدا للرد بالمثل. 

فى المقابل، ترفض إيران التفاوض تحت ضغط، بمعنى أنها لا تسمح بجعل الضغوط المفروضة عليها سببا فى الجلوس على مائدة التفاوض أو فى تليين موقفها التفاوضى، بل وتسعى دائما إلى امتلاك وسائل ضغط مقابِلة تحقق حالة أكثر توازنا فى المفاوضات. يتمثل ذلك هنا فى توثيق علاقاتها بالقوى العالمية المنافسة للولايات المتحدة، وبناء شبكة من الحلفاء الإقليميين، وإقامة قدرات عسكرية فعالة مثل الصواريخ والمسيرات، والتهديد المستتر أحيانا والمعلن أحيانا للبنية الأساسية لإنتاج وتصدير البترول فى الخليج، والسيطرة على خليج هرمز، وكلها وسائل ضغط تُقَوِّى موقفها فى المفاوضات.

كما أنها تحرص على تحويل الوقت إلى أداة ضغط على خصومها، وليس سلاح مسلطا عليها، من خلال جعل الصبر والتحمل منهج عمل وفريضة قومية، حتى تصل تكلفة الوضع القائم على الطرف الآخر إلى النقطة التى تدفعه نحو السعى إلى التوصل إلى تسوية.

يلاحظ أن اتباع هذه العناصر البديهية ليس سهلا أو بلا تكلفة، لكن قدرة إيران على التحمل والثبات والصبر، وإدراك أن هذه التكلفة هى السبيل لتحقيق مكاسب أكبر وأهم، تجعلها تتميز فى قدرتها على التفاوض وتحقيق أهدافها بدرجة مدهشة من النجاح فى أقسى الظروف. وربما يمنحنا ما سبق نقاطا مهمة للتأمل فى نهج بعض المفاوضين العرب الذى يميلون لقبول فكرة تقديم تنازلات كبوادر لحسن النية أو بدعوى إظهار جديتهم فى المفاوضات، أو لتشجيع الطرف الآخر على التحرك السريع نحو الاتفاق، الأمر الذى كثيرا ما يقتنصه الطرف الآخر على أنه جائزة مجانية، ومؤشر على استعجال المفاوض العربى أو تهافته، فيقابل ذلك بالمزيد من المناورة والتشدد للحصول على المزيد، وضمان ابتعاد الطرف الآخر عن أى خيارات أخرى غير التفاوض، مثل المواجهة الدبلوماسية أو حتى الردع العسكرى.

• • •

ماذا إذا، هى أهداف إيران الجوهرية؟

لا شك أن التوصل إلى اتفاق فى حد ذاته يحقق لإيران أول وأهم أهدافها، وهو تثبيت وضع نظام الجمهورية الإسلامية والاعتراف به كنظام شرعى، وبث اليأس فى الولايات المتحدة وباقى خصوم إيران من إمكان إسقاط النظام، الحلم الذى راودهم منذ قيام الثورة عام 1979، ودفعهم إلى التعامل معها كأمر واقع محسوم.

لكن، بجانب ذلك، فإن لإيران أهدافا أخرى أكثر طموحا. أولها بطبيعة الحال هو إسقاط العقوبات، وإنهاء الحصار المفروض عليها بكل أشكاله، الأمر الذى يتجسد فى رفع العقوبات المفروضة عليها واستعادة أرصدتها المجمدة فى الخارج، وتمكينها من الحركة بحرية أكبر على الساحة الدولية. 

كما أنها ستتمسك بالحفاظ على حقها فى برنامج نووى سلمى يشمل السيطرة على مجمل دورة الوقود وتخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بما تخصبه منه، مع الامتناع التام عن امتلاك أو تطوير سلاح نووى. لتحقيق ذلك، تبنت إيران منهجا يفصل بين احتفاظها بهذه الحقوق وبين ممارستها لها، بحيث يمكنها الموافقة على وضع حد أقصى لدرجة التخصيب المسموح بها لفترة زمنية معينة، والتخلى عما تملكه من مخزون من اليورانيوم عالى التخصيب عن طريق تخفيف درجة تخصيبه، وربما نقله إلى دولة ثالثة، مع رفض تسليمه إلى الولايات المتحدة تجنبا لرمزية ذلك كدليل على الهزيمة.

فوق ذلك، لن تقدم إيران تنازلات فى أهم ورقتين ساعدتاها فى الدفاع عن نفسها فى مواجهة العدوان الأمريكى الإسرائيلى، وهما برنامج الصواريخ والمسيرات، وعلاقاتها بحلفائها الإقليميين، باعتبارها حقوقا سيادية، ولهذا فإنها تسارع بربط الأمر بتسلح إسرائيل والتعاون العسكرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الإقليميين، والملاحظ أن الولايات المتحدة توقفت عن إثارة هاتين القضيتين فى المفاوضات الجارية، وإن كان من غير المستبعد أن تعود إلى طرحهما فى مرحلة التفاوض التالية لتوقيع مذكرة التفاهم.

فى المقابل، فإن أمورا مثل بسط السيادة الإيرانية على مضيق هرمز أو فرض رسوم على المرور فيه، أو طلب تعهدات بعدم تكرار العدوان على إيران، فيمكن وضعها فى خانة الأوراق التفاوضية التى يمكن المساومة عليها. 

فمضيق هرمز يعد مياها دولية باعتراف كل دول العالم، كما أن مبدأ حرية المرور البرىء هو أحد أهم المبادئ المستقرة فى النظام الدولى، وبالتالي، فإن إيران تعلم أنها ستضع نفسها فى صدام مع المجتمع الدولى كله، بما فى ذلك حلفائها، إذا أصرت على تطبيق نظام يتعارض مع الحرية الكاملة للملاحة. مع ذلك، فربما تنجح فى الحصول على موافقة على تطبيق آلية بسيطة للإخطار المسبق، أو تقديم خدمات اختيارية بمقابل محدود للسفن التى تمر فى المياه الإقليمية الإيرانية. لكنه من المهم هنا الإشارة إلى أن القيمة الاستراتيجية لورقة المضيق بالنسبة لإيران تحققت بالفعل لأنها لا تكمن فى منحها سلطة التحكم فى حركة المرور المدنية فيه، وإنما فى قدرتها على إغلاقه بالقوة، كليا أو جزئيا، فى أوقات الحرب، ومن ثم رفع تكلفة مواجهتها، وهذه لا تحتاج إلى موافقة أمريكا أو اتفاق معها.

وأخيرا، فإن طلب إيران تعهد أمريكى بعدم الاعتداء عليها ليس أكثر من مطلب شكلى يمكنها التنازل عنه لأغراض تفاوضية، أولا، لأن إيران تعلم أن وجود تعهد كهذا لن يحول دون مهاجمة أمريكا لها إذا ما رغبت فى ذلك، وثانيا لأنها تدرك أن ما يحميها من أمريكا واقعيا هو قوتها الذاتية، وما تملكه من أوراق تستطيع بها أن تضغط عليها لتثنيها عن ذلك.

• • •

يوضح ما سبق أن معركة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران ستطول، ليس فقط لتعقيد الموضوعات، إنما لاضطرار أمريكا إلى السعى إلى تحقيق أقصى قدر من أهدافها فى إيران بالتفاوض، بعد أن تأكد غياب أى بدائل فعالة وذات تكلفة مقبولة لذلك فى الظروف الحالية، ولأن منهج إيران التفاوضى وإدراكها الراسخ لأهدافها ومصالحها الوطنية، وما تحملته من خسائر فى سنوات الحصار وفى الحروب الأخيرة، يجعلها مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى فى التفاوض للحفاظ عن مصالحها الجوهرية.


سفير مصر السابق فى إسبانيا

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved