الجندى المجهول يستغيث فى قبره
وائل قنديل
آخر تحديث:
الخميس 9 أغسطس 2012 - 9:45 ص
بتوقيت القاهرة
ما يحدث عند النصب التذكارى للجندى المجهول يؤكد أن الوطنية المصرية الحقيقية تتعرض للنحر والتآكل، ولا أعنى تلك الكائنات التى تواصل الثغاء بالانتماء الكاذب وفى الوقت ذاته لا تتوقف عن التباهى بصلاتها وعلاقاتها بالصهاينة.. بل أعنى أن موقع النصب التذكارى نفسه يتهدده خطر الاختفاء والذوبان فى محيط أبنية مشاريع استثمارية ضخمة تتربص به الآن.
وفى ذلك تلقيت هذه الاستغاثة الصادرة من الجندى المجهول حملتها سطور الدكتور صلاح طاحون الأستاذ بجامعة الزقازيق أنشرها كما وردت:
كتب اللواء طيار محمد عكاشة، أحد أبطال حرب أكتوبر المجيدة، منذ أربع سنوات مجموعة قصصية تتناول سردا واقعيا لملاحم بطولات بعض أفراد جيشنا العظيم أثناء حربى الاستنزاف وأكتوبر. وقد تخير اللواء عكاشة أن ينهى مجموعته بقصة تدخل أدب اللامعقول، مفادها أن سكان القاهرة قد فوجئوا عصر أحد الأيام الخوالى بمظاهرة قوامها نحو مائة وخمسين ألف شهيد من شهداء الحروب المصرية الأخيرة يتزعمهم الفريق عبدالمنعم رياض، يتجمعون فى ساحة نصب الجندى المجهول على طريق النصر فى مدينة نصر، يحملون علم مصر وينصتون بانتباه للفريق عبدالمنعم رياض وهو يخطب منددا بسياسات أضاعت هيبة مصر والمصريين، ويطالب السلطة الحاكمة باتخاذ قرارات عاجلة للإصلاح القومى تعلن توجهاتها قبل منتصف الليل، تجنبا لعواقب إجراءات يتخذها الشهداء تعبيرا عن غضبهم.
ومضى منتصف الليل دون أن تعلن السلطة الحاكمة شيئا. وقد فسر البعض ذلك بداء العند المستعصى الذى تميزت به السلطة فى ذلك الوقت، بينما فسره آخرون بعادة اتخاذ القرارات بعد فوات الأوان.
وفى صبيحة اليوم التالى توافد مئات الألوف من سكان القاهرة والمحافظات المجاورة على مدينة نصر، بعضهم ساقه الفضول وبعضهم بنية المشاركة فى المظاهرة للاحتجاج على سوء الأوضاع. غير أن الجميع كان فى انتظارهم مفاجأتان المفاجأة الأولى هى اختفاء تجمع الشهداء، والمفاجأة الأكبر هى اختفاء نصب الجندى المجهول دون أن يترك أثرا على سابق قيامه فى ساحته لعشرات السنين.
والمحزن أن نهاية هذه القصة الرمزية تكاد أن تتنفذ فى الوقت الحاضر، حيث تمكن أحد رموز العهد البائس من استقطاع جزء من حديقة الزيتون المطلة على نصب الجندى المجهول فى مدينة نصر، لإقامة مستشفى بطول نحو ثمانين مترا وارتفاع سوف يتجاوز ارتفاع النصب ثلاث أو أربع مرات. والمؤكد أن صاحب هذا المشروع التعيس قد استوفى كافة الشروط القانونية لإقامة مبناه، ولكننا نتساءل أين هى الشروط الأخلاقية التى تسمح لبناء شائه أن يتجاور مع منطقة عسكرية تتضمن هرما طاهرا يضم رفات ممثل شهداء مصر العظام؟ وأين هى الشروط البيئية التى تجيز تلويثا بصريا قبيحا لأحد أكثر المنشآت العسكرية احتراما وقداسة؟ وهل يدرك من رخصوا لهذا المبنى أنه سيطل راكبا على ساحة الجنازات العسكرية والقومية الكبرى التى يشارك فيها كبار رجال الدولة، فيستحيل تأمينهم؟
وللجندى المجهول، الشجاع النبيل، الذى اختار أن يموت شهيدا فى لحظة وموقع ومشاعر لا يعلمها إلا الله دفاعا عن مصر وشرفها، نحن نتبرأ من الذين يزاحمونك اليوم استنهابا معنويا لروضة رقادك الأخير بعد أن ضاقت بهم أرض مصر الواسعة. وهنيئا لك ربوع الجنة الوارفة وجلال اتساعها الذى لا تحده الأبصار.
انتهت الرسالة لتبدأ بعدها المقارنة بين عكاشة وعكاشة.. لكن قبل أن تقارن تأمل فى مستوى العقلية التى تتولى تحقيق الأمن فى هذا البلد، والتى تجعل أى شخصية مهمة تذهب لزيارة الجندى المجهول فى مرمى أى قناص يختبئ أعلى برج من ١٣ طابقا سيطل على المكان!