من رحم الأحزان..

سمير العيطة
سمير العيطة

آخر تحديث: الأحد 9 أغسطس 2020 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

«قومى كى يبقى العالم يا بيروت.. قومى من تحت الردم.. قومى من حزنك.. إنّ الثورة تولد من رحم الأحزان.. الآن عرفنا أنّ جذورك ضاربة فينا». هكذا سطّر الشاعر الدمشقى نزار قبانى ألمه على بيروت وأمله فيها ككلّ أبناء المشرق العربى حتّى فى أسوأ مراحل حربها الأهليّة. وأشهر اعترافه الذى قال فيه: «إنّا أطلقنا النار عليكِ بروحٍ قبليّة، فقتلنا امرأةً كانت تدعى (الحريّة)».
حضرت قصيدة «يا ستّ الدنيا يا بيروت» هذه فى خضمّ الانهيار المالى فى لبنان، حيث حذف حفلٌ بعيد الجيش، المؤسسة الوطنيّة الجامعة الوحيدة فى البلاد، بكلّ جهارة المقطع القائل بولادة الثورة من رحم الأحزان. حفلٌ أحيته قناة تلفزة معارضة بدلا من الاحتفال الوطنيّ. حفلٌ تحت أضواء كهرباء فى بلدٍ غابت فيه هذه الكهرباء، حتّى عبر المولّدات الخاصّة، عن أغلب السكّان. ثمّ قام قائد الجيش وقيادات المؤسسات الأمنيّة بزيارة رئيس حزب معارض للحكومة الحاليّة، فى خطوةٍ لا سابقة لها فى دولة مؤسّسات.
ثمّ حدث الانفجار المروع فى المرفأ الذى ذكّر مشهده بقنبلة هيروشيما فى ذكراها الخامسة والسبعين. ضحايا ودمار رهيب، اكتفى زعماء الحرب بعيده بالاطمئنان على بعضهم البعض. هذا قبل أن يستفيقوا ويستغلّوا الكارثة ويضعوا لومها على الحكم الحالى، الضعيف أصلا، فى محاولةٍ «قبليّة» للتبرّؤ من المسئوليّة التى تطالهم كما تطال هذا الحكم، بل أكثر. لم يعتذر ولم يعترف أحدٌ منهم عمّا اقترفت يداه كما اعتذر واعترف نزار قبانى.
غضب اللبنانيين لا يوازيه سوى حزنهم على الضحايا والدمار. ومن الواضح أنّ الانفجار الكبير سيشكّل لحظة تاريخيّة تؤسّس لقطيعة مع ما سبقه. قطيعة لها مسارات مختلفة ليست جميعها فى مصلحة لبنان واللبنانيين. قطيعة ترتبط بالطريقة التى سيقرأ بها اللبنانيوّن مسار المصائب التى لحقت بهم تباعا.
***
بالنسبة للانفجار الأخير، لا يُعقَل أن تبقى كميّة ضخمة من نترات الأمونيوم فى مرفأ بيروت كلّ هذه السنين دون معرفة أعلى السلطات فى لبنان كما جميع أجهزة مخابرات الدنيا. هذه المادة تستخدم سمادا للزراعة ولكن، كون أنّ السلطة السوريّة استخدمتها فى صنع البراميل المتفجّرة التى ألقيت على المدن والقرى التى سيطرت عليها المعارضة، أضحت منذ سنوات على لائحة العقوبات الأمريكيّة على سوريا. علما أنّها كانت تنتج أكثر من مائة ألف طنّ منها. كما أنّها استخدمت فى كثير من الأعمال الإرهابيّة حول العالم، حتّى فى تفجير أوكلاهوما فى الولايات المتحدة. والسؤال الكبير: ألم يتخوّف أحد، أبعد من مدير المرفأ، من أن تذهب هذه الكميّة إلى السلطة السوريّة أو إلى تنظيم القاعدة؟ أو... أو... هكذا لتبقى لسنوات طويلة مخزّنة فى عنبر فى مرفأ فى وسط العاصمة.
تكثر نظريّات المؤامرة كما فى كلّ كارثة مروعة، خاصّة وأنّ سبب الانفجار الأوّل ــ الذى سبق الانفجار الكبير ــ ليس واضحا للآن. إلاّ أنّ «المؤامرة» الأولى والحقيقيّة هى عجز الدولة الصارخ فى لبنان وفساد سلطة زعماء حربه.. تعدّدت مظاهر تلك المؤامرة فى مشاهد تكدّس النفايات والعجز عن تأمين الكهرباء ومياه الشرب والريّ النظيفة وإفلاس الدولة.. وانتهت بكارثة مدويّة بعد سلسلة من كوارث الموت البطىء.
هكذا تدمّر «ميناء العشق» وشريان حياة البلاد، واحترق معه الطحين الذى كان مصرف لبنان يموّله بصعوبة، كما احترقت الأدوية وما كان يحمل بيروت على تحمّل تزامن الانهيار المالى وأزمة الوباء التى تفاقمت مؤخّرا. وتدمّرت كذلك مساعدات الأمم المتحدة والمنظّمات الدوليّة التى تؤمّن الاحتياجات الأساسيّة للاجئين السوريين، الذين يعدّون ثلث السكّان، كما للمجتمعات التى استضافتهم. وتدمّر أيضا ما يؤمّن معيشة السوريين فى سوريا، عبر الأمم المتحدة أو مستوردات القطاع الخاصّ التى لا تستطيع نظرا للعقوبات الأمريكيّة والأوروبيّة أن تصل إلى المرافئ السوريّة. بيروت كانت رئة لبنان وسوريا معا. هكذا كى تتّسع تبعات كارثة بيروت على كلّ لبنان وعلى أغلب سوريا فى زمنٍ تبخّرت فيه مدخّرات أبناء البلدين وتفشّى فيه وباء الكورونا بشكلٍ كبير، هنا وهناك.
وانهار مع تدمير ميناء بيروت حلم لبنان أن يلعب دورا رئيسا فى إعادة إعمار سوريا. كما انهار معه وسط بيروت (سوليدير) الذى كان قد تمّ إعماره برعاية الرئيس الراحل رفيق الحريرى كمشروعٍ خاصٍّ بالأثرياء ليكون جزءا من تركيبة الاقتصاد السياسيّ التى صنعت أصلا الانهيار المالى فى البلاد. كلّ هذا أعاد اللبنانيين إلى واقع أنّ ما عاشوه بعد الحرب كان وهمًا كبيرًا وأنّ ما يجب حقّا إعادة بنائه هو لبنان واقتصاده.. وقبل ذلك دولته ونظامه السياسيّ. وواضح أنّ لا الحكومة الحاليّة ولا زعماء السنوات السابقة، الذين هم من أخذ البلاد إلى الكارثة، قادرون على حمل عبء إعادة البناء وإرساء دولة تعمل لجميع أبنائها. فكم سيصدّق اللبنانيوّن مهاترات زعماء الحرب ضدّ بعضهم البعض كى يعيدوا الأمور إلى أرضيّة دولة الطوائف بدل الدولة المدنيّة؟
***
تتعالى استغاثة بعض الزعماء بالخارج وبأنّ اللاعبين الدوليين سيكشفون الحقائق ويساعدون البلاد على تحقيق «الإصلاح». فهل يعى اللبنانيّون أنّ هذه الدول هى ذاتها التى ثبّتت زعماء الطوائف بعد الحرب وغطّت على تلاعباتهم الاقتصاديّة والمالية لعقودٍ عبر مؤتمرات المانحين. وأنّ اهتمامهم بـ«الإصلاح» عبر بيع المرافق العامّة قد ضاع مع دمار المرفأ وانخفاض قيمة جميع الأصول العامّة الأخرى.
وها هو الرئيس الفرنسى يُسرِع لزيارة بيروت المدمّرة ويتوّجه للبنانيين بأنّ لدى فرنسا خريطة طريق لإعادة بناء النظام السياسيّ. هذا فى الذكرى المئويّة لإنشاء لبنان الكبير، وفى شارع الجنرال غورو الذى قاد جيوش احتلال لبنان وسوريا. ثمّ ليُعطى مهلةً لأقلّ من شهر للتنفيذ وإلاّ «سيتحمّل مسئوليّاته»! لقد خرج بذلك أكثر عن أعراف الدبلوماسيّة عمّا جرى عند زيارة وزيرة خارجيّته وعمّا يرِد فى التصريحات الأمريكيّة. لماذا؟ ألأنّ فرنسا تتخوّف من أن يؤدّى انتقال النشاط من مرفأ بيروت إلى طرابلس، حيث يزداد النفوذ التركى، إلى خلق بؤرة جديدة للصراع الإقليميّ بين فرنسا وتركيا فى لبنان؟
***
إنّها حقّا لحظة حقيقة يعيشها الشعب اللبنانيّ. هل يستحقّ أن يكون شعبا أم سيبقى منقسما بين زعماء الطوائف؟ هل يطالب بعودة انتداب فرنسا أو بالنفوذ العسكريّ السوريّ، أم أنّه أضحى شعبا ناضجا يصنع حاضره ومستقبله بيديه؟ هل سيبنى أوّل دولة مدنيّة فى المشرق أم سيغرق أكثر فأكثر فى الانهيارات التى تشهدها الدول العربيّة حوله؟ هل سيعرف كيف يؤسّس لحريّة حقيقيّة، لا معنى لها دون وجود دولة قادرة، أم سيبقى عرضةً لتجاذبات الدول والصراعات الإقليميّة؟
«يا بيروت الذبح من الشريان إلى الشريان، ما زلت أحبّك رغم حماقات الإنسان، ما زلتُ أحبّك يا بيروت، لماذا لا نبتدئ الآن؟» فهل سيفى اللبنانيوّن حبّهم لبيروت كما تمنّاه الدمشقيّ نزار؟ وهل سيُترجِم غير اللبنانيين حبّهم لبيروت بإيقاف هذا الجنون الذى يعبث بالمشرق؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved