العدوى النفسية

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: الأحد 9 أغسطس 2026 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة الرياض السعودية مقالا للكاتب محمد الحمزة، يعرّف فيه ظاهرة «العدوى النفسية والعاطفية» ويوضح أسبابها البيولوجية والعصبية (مثل العصبونات المرآتية)، مشيرا إلى اتساع أثرها فى العصر الرقمى، مع التأكيد على أهمية بناء «مناعة نفسية» وواعية لحماية الاستقرار النفسى والصحى من التأثر السلبى بالمحيط.. نعرض من المقال ما يلى:

نعتاد اتخاذ التدابير الوقائية لحماية أجسادنا من الفيروسات والبكتيريا المادية؛ فنحرص على التعقيم والتطهير لتجنب الإصابة بالعدوى الجسدية، لكن هل تساءلنا يوما عن تلك الفيروسات غير المرئية التى تتسلل إلى عقولنا وقلوبنا فى غضون ثوانٍ معدودة دون أى تلامس مادى؟ تُعرف هذه الظاهرة فى علم النفس العصبى بـ«العدوى النفسية» (Psychological Contagion)، وهى مفهوم علمى يفسر كيف تتشارب النفوس البشرية المشاعر، والأفكار، وحالات القلق أو البهجة، لتنتقل من شخص إلى آخر بسرعة وتأثير قد يفوقان بعض الأمراض الانتقالية.

علميا، لا تقتصر العدوى على الجوانب المادية، بل تمتد لتشمل المحاكاة التلقائية واللاواعية للمشاعر والتعبيرات غير اللفظية، فعندما تجلس بجوار زميل يعانى من التوتر الشديد والتأفف المستمر، تجد بعد فترة وجيزة أن طاقتك الذهنية قد استُنزفت بالكامل، وبدأت تظهر عليك علامات الإرهاق والضيق دون وجود سبب مباشر يخصك، وعلى العكس تماما، فإن التواجد فى محيط يضوع بالضحك والتفاؤل المتقد كفيل برفع معنويات المجموعة بأكملها، هذه الظاهرة ليست مجرد انطباع عاطفى عابر، بل هى عملية بيولوجية عصبية موثقة ودقيقة.

يعزو علماء الأعصاب هذه الظاهرة بشكل رئيس إلى نشاط خلايا متخصصة تُعرف بـ«العصبونات المرآتية» (Mirror Neurons) فى الدماغ البشرى، حيث تعمل هذه الخلايا كمرآة عصبية دقيقة تحاكى وتلتقط الإشارات الصادرة عن الآخرين؛ بدءا من تعابير الوجه الدقيقة ونبرة الصوت، وصولا إلى إيماءات لغة الجسد، لقد صُمم الدماغ تطوريا ليفهم الآخرين ويستشعر آلامهم وآمالهم لتعزيز التواصل الاجتماعى وفرص البقاء، غير أن هذه الخصائص البيولوجية ذاتها تفتح الباب على مصراعيه لامتصاص الحالات المزاجية والنفسية للمحيطين بنا دون وعى كامل منا.

ولم تعد العدوى النفسية محصورة اليوم فى التفاعل المباشر وجها لوجه؛ بل اتسعت رقعتها فى العصر الرقمى لتتحول إلى ما يُعرف بـ «العدوى العاطفية الرقمية»، فالمنشورات المحملة بالغضب، أو الهلع، أو التوتر عبر منصات التواصل الاجتماعى تنتشر كالنار فى الهشيم، مسببة حالة من القلق الجمعى لدى الملايين خلال لحظات معدودة، والخوارزميات الحديثة لا تكتفى بنقل الأخبار والمعلومات، بل تسهم فى تشكيل المناخات النفسية وإعادة ضبط المزاج العام للمجتمعات، ممّا يحوّل التفاعل الرقمى اليومى إلى وسيط فعال لنقل الإجهاد الانفعالى.

أمام هذا التدفق المستمر للمشاعر الوافدة، تبرز أهمية بناء ما يُسمى بـ«المناعة النفسية»، ولا يعنى ذلك الانعزال التام عن البشر أو تجريد الذات من التعاطف معهم، بل يتطلب منا رفع مستوى الوعى الذاتى للفصل بين مشاعرنا الأصيلة وتلك المشاعر التى نلتقطها عفويا من الآخرين، إن ممارسة اليقظة الذهنية، ووضع حدود صحية للتعرض للمحيطات السلبية، والانتقاء الواعى للبيئات والأصدقاء، تُشكل جميعها خطوط دفاع أساسية لحماية الاستقرار النفسى والصحى.. يقول عالم الاجتماع غوستاف لوبون: «إن المشاعر داخل الجماهير تنتشر كالأوبئة، وتنتقل من شخص إلى آخر بالعدوى لا بالفكر».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved