غزة تسقط كل الأقنعة
خولة مطر
آخر تحديث:
الأحد 9 أغسطس 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
يحدثونك عن النخبة.. نعم، تلك التى تُسمى «نخبة» فى مجتمعاتنا. بعضهم يذيل اسمه بـ«مفكر»، وآخر بـ«باحث»، وثالث بـ«محلل» أو «محلل استراتيجى»، أو «كاتب»؛ رغم أن الأخيرة مهنة واضحة تستطيع أن تتأكد منها ببحث بسيط دون معاناة تُذكر، حتى لو اختلفت مع توصيفهم بتلك الصفة التى ليست مرتبطة بفعل الكتابة فقط. فقد كثرت الخربشات، بل ربما أصبحت شبيهة بكل شىء يُنتج ويُمنح مسمى «عمل فنى».
• • •
فى بعض الغناء انحطاط، وفى الموسيقى واللحن أيضًا، أما الكلمات فكثير من الأغانى لا تشبه إلا تلك الثرثرات الساقطة على أرصفة الطرق وفى المقاهى الفاخرة؛ لأن المقاهى الشعبية بريئة من كثير مما يُقال ويُلحن وتُصرف عليه المبالغ الكبيرة ليصبح أغنية ترددها الجماهير الغفيرة من الشعوب الغارقة فى كثير من الملذات الحسية، فى الوقت الذى تُرسَم فيه الخطط والحدود والتحالفات الجديدة بعيدًا عن طرح سؤالها عن صورة المستقبل الذى تريد، كما هو حالنا منذ عقود وعقود!
• • •
نعود للنخبة؛ لأن ما تمر به ونمر به فى أوطاننا اليوم لا يمكن إلا أن يمر بسؤال طبيعى، وربما عادى جدًا: «أين النخب؟» أو غالبيتها. ففى كل المجتمعات والدول، عندما تمر بمنعطفات أو أزمات، يبرز دور النخب من المفكرين والباحثين ليسلطوا الضوء أو يقدموا تحليلًا يسهل فهم اللحظة للمواطن العادي، وينير بعض الظلمات بين فيضانات التحليلات والصور المتساقطة.
• • •
يبرز الأمر بوضوح عندما يضيع المتابع فى بحر الأخبار والتحليلات والمقالات، وكثير منها متضارب، وأكثرها قادم بلغات مختلفة إلا العربية، إلا فيما ندر. وإذا قمنا ببعض المراجعة، أو حتى ببحث بسيط عن مصدر رزق هذا أو ذاك، وهذه أو تلك، من الذين يحملون لقب «مفكر» أو «محلل» أو «باحث»، ربما نفهم بعض أسباب الصمت، أو نفهم الكلام أكثر.
• • •
فهل أصبحت نخبتنا أضعف من أن تفهم وتفكك ما يجرى؟ أم أنها تفهم جيدًا ولكنها تخشى أن تدفع ثمن ما تعرف؟ أم أن مصدر الرزق بات هو الآخر منتجًا للفكر ومحددًا لسقف «المفكر»؟ فمن يدفع للباحث يحدد له مساحة البحث، ومن يفتح الشاشة للمحلل يرسم له حدود التحليل، ومن يمنح الجوائز والمنابر يحدد أحيانًا حتى قاموس الكلمات المسموح بها!
• • •
لقد قدّم كثير من الكتّاب والمفكرين والباحثين فى الغرب استقالاتهم، أو خسروا مواقعهم ومداخيلهم وفرصًا أكاديمية ومهنية، لأنهم اختاروا موقفًا مبدئيًا من حرب الإبادة على غزة، ومن الحرب على جنوب لبنان، ورفضوا الصمت أو الاختباء خلف عبارات ملتبسة تحفظ لهم مواقعهم وأرزاقهم. بعضهم واجه مؤسسات بلاده، وبعضهم اصطدم بجماعته الدينية أو القومية، وبعضهم دفع ثمنًا حقيقيًا فقط لأنه قرر أن يسمى الأشياء بأسمائها، فيما لا تزال قطاعات واسعة من نخبنا تبحث عن المفردة الآمنة والموقف الذى لا يغضب ممولًا ولا سلطة ولا مؤسسة.
• • •
والمفارقة الأكثر إيلامًا أننا، ونحن نبحث عن كلمة واضحة فى زمن الإبادة، نجدها أحيانًا عند من يُفترض أنهم أبعد منا عن فلسطين تاريخًا وجغرافيًا وهواية. فالمؤرخ الإسرائيلى إيلان بابيه اختار منذ سنوات أن يواجه الرواية الصهيونية من داخلها، وأن يكتب عن التطهير العرقى لفلسطين، متحملًا ما جرّه عليه ذلك من مواجهة وضغوط. وفى بريطانيا، دفع أستاذ علم الاجتماع السياسى ديفيد ميلر ثمنًا أكثر مباشرة؛ فُصل من جامعة بريستول بسبب مواقفه المناهضة للصهيونية، لكنه رفض التراجع وخاض معركة قضائية امتدت سنوات، حتى أيدت محكمة الاستئناف الحكم لصالحه. هؤلاء لم تكن فلسطين وطنهم، ومع ذلك خاطروا بالموقع والرزق والاستقرار دفاعًا عما آمنوا أنه الحق.
• • •
وهنا يصبح السؤال عن نخبتنا العربية أكثر قسوة: فإذا كان إسرائيلى يستطيع أن يواجه الرواية التى تربى داخلها، وبريطانى يستطيع أن يخسر وظيفته ويقضى سنوات فى المحاكم دفاعًا عن موقفه، فماذا بقى لنا من أعذار؟ وكيف تبدو أمامهم نخبة عربية تخشى أن تخسر منصبًا، أو دعوة، أو مكافأة، أو جائزة، أو ظهورًا على شاشة، فيما المنطقة التى تنتمى إليها يُعاد رسم حاضرها ومستقبلها أمام عينيها؟
• • •
الأمر يتجاوز غزة ولبنان؛ فالمشروع الصهيونى الذى يتكشف أمامنا اليوم لا يبدو منفصلًا عما يُعاد رسمه للمنطقة من تحالفات وحدود وموازين قوى جديدة؛ مشروع قد يفتت المفتت أصلًا ويعيد ترتيب المنطقة مرة أخرى، فيما نحن غارقون فى تفاصيل اللحظة. وإلا فكيف نقرأ كل هذه التحالفات الجديدة والتحولات المتسارعة؟ وكيف نقرأ كل ما يُقال علنًا عن خرائط ومشاريع وممرات ومناطق نفوذ، فيما ينشغل كثير من نخبنا بالتعليق على الحدث بعد وقوعه بدلًا من محاولة قراءة ما وراءه وما بعده؟
• • •
وكيف نقرأ، فى المقابل، حال تلك المؤسسات العربية التى أُنشئت تحت عناوين الوحدة والعمل المشترك والتضامن، وحملت لعقود صفة «العريقة»، ثم وقفت أمام واحدة من أخطر لحظات التاريخ العربى الحديث عاجزة حتى عن التأثير فى مساره؟ مؤسسات لم يبقَ من بعضها إلا الاسم والمبنى والاجتماعات والبيانات؛ بيوت أشباح أو ربما أقل!
• • •
ربما المشكلة لم تعد فى غياب بعض النخبة، بل هى فى اكتشافها فى هذه اللحظة المفصلية من تاريخنا؛ فقد أسقطت غزة الأقنعة كلها، وعرّت النخبة كما عرّت الكثيرين غيرها!
كاتبة بحرينية