هل تستقيم السوق والاقتصاد أعوج؟

محمود محي الدين
محمود محي الدين

آخر تحديث: الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

بمناسبة انعقاد اجتماع وزراء المال ومحافظى البنوك المركزية لمجموعة العشرين بمدينة أشفيل الأمريكية فى مطلع الشهر الحالى، وجه أندرو بيلى، محافظ بنك إنجلترا المركزى، بصفته رئيسا لمجلس الاستقرار المال، خطابا يمكن تلخيص محتواه وتبسيطه فى 7 نقاط:

- إن الصراع فى الشرق الأوسط ما زال يؤجج الضغوط التضخمية المدفوعة بارتفاعات فى أسعار الطاقة.

- إن الأسواق أمست شديدة التعرض «لتصحيح غير منظم».

- إنْ حدث هذا التصحيح، فستكون له انعكاسات عابرة للحدود، خصوصا مع هشاشة سوق السندات؛ على النحو الذى سأوضحه أدناه.

- ويزيد من هذا وَهَن سوق الائتمان الخاص.

- كما يعمقه التقييمات «الممطوطة» للأسهم، خصوصا فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعى.

- ويضخم أثر التصحيح المحتمل زيادة الاعتماد على أسلوب «الرافعة» فى شراء الأسهم؛ بمعنى الاقتراض بافتراض استمرار انخفاض أسعار الفائدة لتمويل المضاربة رهانا على ارتفاع أسعار الأسهم.

- كما يرتفع التركز فى أسهم بعينها للذكاء الاصطناعى.

سيزيد هذا كله من احتمالات تصحيح كبيرة للسوق، وهى اللغة المخففة لوصف انخفاضات حادة متوقعة فى السوق، إلا إذا اتخذت تدابير لاحتوائها والتخفيف منها.

أهمية هذا الخطاب تأتى من جهة إصداره المتمثلة فى هذا المجلس الذى تأسس فى أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وتحديدا فى قمة لندن لقادة مجموعة العشرين فى 2009، ليحل محل منتدى الاستقرار المالى، الذى كان قد تأسس فى عام 1999، بعد أزمة مالية أخرى لحقت بالأسواق الناشئة والتى اندلعت فى عام 1998. فلكل أزمة تشتعل مؤسسة على قدرها، تنشأ فى أعقابها لمنع تكرارها؛ ولكن هيهات؛ فالعبرة بالاتعاظ بدروس التاريخ.

على أى حال، أصبح هذا المجلس الذى تتخذ سكرتاريته مقرا فى مدينة بازل السويسرية التى تحتضن أيضا بنك التسويات الدولية المعروف ببنك البنوك المركزية. ويختص المجلس بالتنسيق على المستوى الدولى بين السلطات الرقابية وجهات وضع المعايير المالية لتطوير العمل الرقابى والسياسات المالية بهدف تحقيق الاستقرار المالى العالمى. وها هو يحذر ويوصى باتخاذ الاحتياطات ويعلى من أهمية قدرات المواجهة والتعافى.

ويخص المجلس بمزيد من الذكر هذه المرة الذكاء الاصطناعى والمخاطر السيبرانية المرتبطة به، بعد بزوغ نماذج لتطبيقاته عالية التعقيد والاستقلال فى إمكاناتها على علاج المشكلات، وأيضا قدراتها على التخريب. وهناك أمثلة متزايدة على ما يهدد النظم المالية والمرافق العامة من مخاطر سيبرانية بتكاليف باهظة، فضلا عن مظاهر لإزاحة الاستثمار الخاص لحساب تمويل شركات الذكاء الاصطناعى ومراكز البيانات تزيد من التركز ومخاطره، وكذلك التبعات البيئية وزيادة تكاليف الطاقة والمياه.

وفى رأيى، أن السندات الدولية فقدت مؤخرا جانبا كبيرا من دورها فى التحوط فى محافظ التمويل بعدما شهدته هذه السوق من تغيرات حادة فى الأسابيع الماضية بتدخلات من الخزانة الأمريكية مرة مع اليابان لدعم الين حتى لا تلجأ اليابان لبيع المزيد من السندات الأمريكية على النحو الذى شرحته فى مقال سابق فى هذه الصحيفة الغراء، ومرة أخرى بمضاعفة عمليات إعادة الشراء للسندات طويلة الأجل بعد ساعات من الإعلان عن تجاوز الدين الأمريكى 40 تريليون دولار. نعم انخفض عائد السندات لأجل 30 سنة بعشر نقاط فقط فى ساعات، ولكن فى خلال يومين عاد العائد للارتفاع بأعلى من مستوى التدخل.

والأمر كما وصفته صحيفة «وول ستريت» «انتصار سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكية، كان عابرا؛ إذ فرض المستثمرون إرادتهم على السوق». إذ لم يحقق التدخل أهدافه بتخفيض أسعار الفائدة، ليس لأسباب فنية ولكن لمعضلات اقتصادية هيكلية. فالتضخم عنيد وبلغ 3.4 فى المائة متجاوزا الهدف المعلن وهو 2 فى المائة، وهو أعلى فى الولايات المتحدة من متوسطات مجموعة العشرين. وعجز المالية العامة بلغ 6 فى المائة وهو ضعف الهدف المعلن، وتزيد احتمالات استمراره تكلفة الدين العام بزيادة الفجوة التمويلية مع ارتفاع لتكلفة تجسير هذه الفجوة باقتراض جديد عند أسعار فائدة أعلى.

وتستبعد استطلاعات الرأى أى احتمال لتخفيض أسعار الفائدة، ولهذه الاعتبارات المتعارضة بين هدف التخفيض الذى تقوده الرغبة السياسية للرئيس دونالد ترامب، بدعوى دفع النمو ومساندة القطاع العقارى وإرسال إشارات للناخبين قبل الانتخابات النصفية، وهدف رفع سعر الفائدة لتحجيم التضخم الذى أشار رئيس البنك الفيدرالى كيفين وورش للاستعداد إلى اتخاذه، ستحسم قرارات البنك الفيدرالى فى اجتماعيه المقبلَين فى هذا الشهر وفى شهر ديسمبر المقبل. فبعد صدور تقرير أفضل من المتوقع عن سوق العمل، وإذا ما أتى تقرير التضخم الذى سيصدر يوم 11 سبتمبر الحالى باستمرار ارتفاعه، تزيد فرص رفع سعر الفائدة قبل نهاية هذا العام.

وبناء على ما هو متاح اليوم من بيانات، وبمواءمة الاعتبارات السياسية لانتخابات التجديد النصفى فسيكون القرار بالتثبيت، وإن كان الرفع أولى، فى اجتماع سبتمبر، وبالرفع حتما فى اجتماع ديسمبر. وللتذكرة، فالبلدان النامية مرتفعة المديونية أكثر انكشافا لمخاطر رفع أسعار الفائدة.

لقد دأب البعض على ذكر أن البورصات مرايا للاقتصادات، وأن السوق المالية هى ظل الاقتصاد تحاكيه فى حركته وسكونه وانطلاقه وركوده. ولكن هذا لا ينطبق بالأدلة على ما نراه من عبث أسواق تزدهر مع أنباء عن ارتفاع البطالة، وتنتكس لظهور تقارير إيجابية عن التشغيل؛ لأن هذا ينذر برفع الفائدة. وهى قد أدمنت التمويل بالائتمان الرخيص تستثمره فى حفنة مركزة من الأسهم لشركات لا تبالى بما يجرى فى سائر الاقتصاد، إلى حين.

نقلا عن الشرق الأوسط

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved