«صينى أصلى»

يوسف إدوارد
يوسف إدوارد

آخر تحديث: الأربعاء 9 سبتمبر 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

فى الثمانينيات وبداية التسعينيات كنت أعيش فى منطقة الخليج وكنت طفلًا أرافق والدى فى مشاويره وشراء احتياجاتنا، وكان والدى شديد الحرص على ما يشتريه، وأتذكر جيدًا أن هناك جملة كانت تكاد تكون تلقائية قبل شراء أى منتج: «يابانى أو ألمانى أصلى»؟ ولم يكن السؤال عن السعر فى البداية ولا عن شكل المنتج أو إمكاناته، وإنما عن البلد الذى جاء منه. كان والدى لا يكاد يشترى منتجًا إذا لم يكن يابانيًا أو ألمانيًا أصليًا، وأنا طفل لم أكن أفهم تمامًا لماذا كان الأمر بهذه الأهمية، لكننى كنت أفهم شيئًا واحدًا: هناك منتج نثق فيه ومنتج نبحث له عن بديل.

كانت اليابان وألمانيا وقتها بالنسبة لوالدى عنوانًا للجودة والدقة والاعتمادية، وكانت عبارة «صنع فى اليابان» أو «صنع فى ألمانيا» تمنح المنتج ثقة قبل أن نعرف عنه أى شىء آخر. أما المنتجات الصينية فلم تكن تحظى بالمكانة نفسها، وكان كثير منها يتم التعامل معه باعتباره البديل الأرخص وربما الأقل جودة، ولم تكن الصين فى وعينا وقتها هى الصين التى نعرفها اليوم، ولذلك كانت المعادلة بسيطة: اليابانى أو الألمانى يعنى الثقة.

  • • •

مرت السنوات وبقيت تلك الجملة الصغيرة فى ذاكرتى، صورة أب يمسك منتجًا وطفل يقف إلى جواره وسؤال يتكرر قبل الشراء لكن العالم نفسه لم يبقَ كما كان. وفى زيارة قريبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وجدت نفسى أمام مشهد مختلف تمامًا؛ المنتجات الصينية موجودة فى كل مكان تقريبًا ليس باعتبارها مجرد بديل رخيص وإنما باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية والاقتصاد العالمى. وقتها توقفت قليلًا ليس أمام منتج بعينه وإنما أمام فكرة تغيرت أمام عينى: لقد تغيرت الصورة.

السؤال الذى كنت أسمعه من والدى قبل أكثر من ثلاثين عامًا لم يعد هو السؤال نفسه. لم يعد المهم أن يكون المنتج من بلد بعينه وإنما أصبح السؤال: ما المنتج؟ ما جودته؟ من الشركة التى صنعته؟ وما الذى يقدمه؟ وهذه ليست مجرد طريقة جديدة فى الشراء، وإنما تغير فى طريقة تفكير المستهلك نفسه، فبلد المنشأ لم يعد وحده كافيًا لبناء الثقة، وأصبح المستهلك يهتم أكثر بالجودة والمواصفات والتكنولوجيا والضمان والتجربة واسم الشركة.

وأعتقد أن الصين فهمت هذه المعادلة جيدًا والتحدى لم يكن أن تنتج أكثر لأنها كانت تنتج بالفعل بكميات هائلة، وإنما كان التحدى الحقيقى أن تجعل العالم يثق فيما تنتجه. أن تصنع منتجًا شىء، وأن تجعل شخصًا فى القاهرة أو دبى أو نيويورك يختاره وهو مطمئن إلى جودته شىء آخر تمامًا. الثقة لا تُبنى بإعلان ولا تُفرض بالقوة وإنما تحتاج إلى سنوات طويلة من العمل، وتجربة وراء تجربة ومنتج وراء منتج حتى تتحول السمعة من مجرد انطباع إلى قناعة.

وهذا ما يجعل التحول الصينى لافتًا فالصين التى كانت فى أذهان كثيرين مرتبطة بالمنتج الرخيص أصبحت اليوم واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية فى العالم، ولم تعد القصة مجرد إنتاج كميات ضخمة من السلع وإنما صناعة وتكنولوجيا وبنية أساسية وبحث وتطوير وعلامات تجارية وأسواق عالمية. والأهم أنها لم تعد تريد فقط أن تصنع للآخرين وإنما أصبحت تريد أن تصنع لنفسها أيضًا؛ سيارات وبطاريات وأجهزة وحلولًا رقمية وتكنولوجيا وعلامات تجارية تنافس فى أسواق لم يكن من السهل أن يتخيل أحد قبل عقود قليلة أن الصين ستكون لاعبًا رئيسيًا فيها.

وأحيانًا لا نلاحظ التحولات الكبرى وهى تحدث لأنها لا تصل إلينا دائمًا فى نشرات الأخبار، وإنما تصل فى صورة هاتف نحمله أو سيارة نراها فى الشارع، أو جهاز نستخدمه فى منزلنا أو منتج لم نعد نسأل كثيرًا عن بلد صناعته لأن وجوده أصبح طبيعيًا إلى هذه الدرجة.

التاريخ لا يطرق الأبواب ليخبرنا أنه تغيّر. أحيانًا نكتشف التغيير ونحن نقف أمام رف فى محل تجارى.

  • • •

لكن أكثر ما يشغلنى فى هذه الحكاية ليس الصين وحدها وإنما قيمة الجودة. فالجودة فى النهاية ليست جنسية بلد؛ المنتج اليابانى أو الألمانى لم يكن جيدًا لمجرد أنه يابانى أو ألمانى، كما أن المنتج الصينى ليس جيدًا أو سيئًا لمجرد أنه صينى. وراء الجودة ثقافة عمل واستثمار ومعرفة وانضباط وتجربة طويلة ومنافسة حقيقية، والدولة التى تريد أن تنتقل من إنتاج الأشياء إلى صناعة القيمة عليها أن تفعل أكثر من مجرد زيادة عدد المصانع، عليها أن تبنى الثقة.

وربما تكون قصة الصين واحدة من أهم دروس العصر الحديث؛ أن تبدأ من موقع مختلف ثم تستثمر لعقود فى التصنيع والتجارة والتعليم والتكنولوجيا، حتى يصبح اسمك حاضرًا فى الاقتصاد العالمى، ثم تبدأ المرحلة الأصعب: أن تجعل العالم لا يشترى منك فقط وإنما يثق بك. وهذا هو التحول الحقيقى فى رأيى. فالصين لم تعد تريد أن تكون مجرد مصنع العالم، وإنما تريد أن تكون واحدة من الدول التى تصنع العالم القادم.

وهذا لا يعنى أن كل منتج صينى هو الأفضل ولا أن الصين أصبحت بلا منافسين فالعالم أكثر تعقيدًا من ذلك، لكن الإنصاف يقتضى أن نعترف بأن الصورة القديمة لم تعد صالحة. وأنا أقول ذلك من تجربة شخصية؛ فأنا الذى كنت طفلًا أرافق والدى وأتعلم منه أن السؤال الأول قبل الشراء هو يابانى أو ألمانى أصلى؟، أستطيع اليوم بعد نحو أربعين عامًا، أن أقول بكل هدوء: نعم أثق فى المنتج الصينى. ليس لأن كل ما تنتجه الصين ممتاز، ولكن لأننى رأيت التحول ورأيت الانتقال من المنافسة على السعر إلى المنافسة على القيمة، ومن إثبات القدرة على الإنتاج إلى إثبات القدرة على الابتكار، ومن بيع المنتج إلى بناء العلامة والثقة.

ومن هنا أرى أن علاقتنا بالصين يجب ألا تتوقف عند كونها سوقًا نشترى منها، وإنما يمكن أن تكون شريكًا استراتيجيًا مهمًا فى الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار ونقل المعرفة والأسواق والبنية الأساسية. فالعالم الجديد لن يقوم فقط على من يبيع لمن وإنما أكثر فأكثر على من يستطيع أن يبنى مع من. وهذه دعوة تستحق أن نتعامل معها بوعى لا بانبهار ولا بخوف؛ أن نرى الصين كما هى اليوم، لا كما كانت فى ذاكرتنا القديمة قوة كبرى لها مصالحها وطموحاتها وتحدياتها، لكنها فى الوقت نفسه قوة رئيسية فى عالم يتغير بسرعة.

وربما لهذا السبب أتذكر والدى مرة أخرى وهو يقول: يابانى أو ألمانى أصلى؟ لأنه كان يبحث عن الثقة. وبعد كل هذه السنوات أدركت أن المسألة لم تكن يومًا مجرد اسم بلد وإنما الأهم هو: ماذا فعل هذا البلد لكى يجعلنا نثق فيما يصنع؟

مدير الإعلام بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved