زيارة ودية بايخة!
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
زمان منذ عشرات السنين كان الوهن قد دبّ فى بعض المؤسسات، والترهل صار عنوانا للأداء فى فى بعض الهيئات، ومن هذا أن مجلس الشعب فى الثمانينيات اشتهر بين الناس بوجود نواب القروض الذين استغلوا الحصانة فى الحصول على قروض بدون ضمانات، وكان هناك نواب الأراضى الذين حصلوا على أراض بدون وجه حق، ونواب الكيف الذين ارتبطوا بالمخدرات تعاطيًا واتجارا، غير أن أغرب مجموعة نواب هى تلك التى أطلق الناس عليها «نواب سميحة» وهم بضعة نواب استأجروا شقة بالقاهرة وأحضروا واحدة من فتيات الليل اسمها سميحة، وبعد أن قضوا الليلة معها رفضوا إعطاءها فلوسا، فما كان منها إلا أن فضحتهم لدى وسائل الإعلام ورئاسة المجلس. لا نقول إن غالبية النواب كانوا جانحين، بالعكس الأغلبية كانت شريفة.. لكن النشاط الوافر للفاسدين منهم كان حديث الناس. فى ذلك الوقت قام بعض النواب بالإغارة على مطار القاهرة فى طلعة قيل إنها من أجل متابعة الأداء الخاص بمصر للطيران وهيئة الميناء ومكاتب الطيران المدنى. زيارة مثل التى يقوم بها بعض النواب لمدرسة أو لمستشفى، مع تكدير ناظر أو طبيب من أجل تأكيد الدور الرقابى وإظهار النشاط أمام الناخبين. تجول الإخوة الأعضاء فى أماكن عدة وقضوا أوقاتًا فى صالة السفر وتحدثوا مع الركاب ثم صعدوا إلى برج المراقبة وشاهدوا كيفية العمل فى توجيه وإرشاد الطائرات. بعد ذلك عرجوا على المهبط للاطلاع على حركة تحميل الطائرات بالحقائب والبضائع، غير أن الشمس الحارقة فى هذا اليوم جعلتهم يخرجون سريعًا من المهبط ويتوجهون إلى قطاع الخدمات الجوية بمصر للطيران حيث يتم هناك إعداد الأطعمة والوجبات لرحلات الشركة وكذلك لشركات أخرى كثيرة تعمل من مطار القاهرة ولها تعاقدات مع مصر للطيران من أجل تزويد رحلاتها بالوجبات طبقًا للأسس وقوائم الطعام التى يتم الاتفاق عليها. كل هذا استمع إليه السادة النواب من خلال شرح واف قدمته الآنسة رئيس قطاع الخدمات الجوية فى ذلك الوقت، وكانت للحق من ذلك الطراز من النساء الذى يشرف ويمنح العاملين تحت إمرتهم أسبابًا للفخر، وهى من أوائل السيدات اللاتى تسلمن مسئوليات بهذا الحجم وتبوأن منصب رئيس قطاع وهو منصب كبير لا يشغله إلا أصحاب الكفاءة والعزم والإرادة الحديدية. كانت هذه الآنسة من الذين بدأوا فى الشركة بالعمل فى المحطة لتسفير الركاب ثم انتقلت بعد ذلك لقطاع الخدمات الجوية حيث أشرفت على وجبات الركاب، وعندما تسلمت مسئولية القطاع بالكامل فإنها أحدثت به نقلة كبيرة ليصل إلى مستويات عالمية بفضل الانضباط والحزم اللذين ميّزا أداءها. دخل السادة النواب معها إلى المطابخ بعد عملية تعقيم كاملة أسوة بالموظفين والطهاة وذلك حفاظًا على سلامة الوجبات وضمان النظافة الكاملة لكل طبق أو مشروب يتم تقديمه للراكب، كما أطلعتهم رئيسة القطاع على دورة العمل من بدايتها وشاهدوا الثلاجات العملاقة وأوانى وأدوات الطهو ومخازن الحفظ، كما تعرفوا على الطهاة وقابلوا مدراء الكافيتريات التى تديرها مصر للطيران بمطار القاهرة. حرصت الآنسة رئيسة القطاع على إحاطتهم بشكل شامل بنشاط القطاع والتأكيد على أهميته ودوره فى إيرادات الشركة ومكاسبها، وقد شعر السادة النواب أنه تم الاهتمام بهم فى هذا المكان أكثر مما لقوه فى أماكن أخرى داخل المطار.. صحيح أن الجميع استقبلهم بترحاب وعاملهم بود، لكن فى بعض الأماكن وبسبب الانشغال مع الركاب أو متابعة الطائرات فى الجو لم يملك المديرون والموظفون ترف الالتفات كليًا لحضرات النواب ولا الرد على أسئلتهم وتعليقاتهم!. أما داخل هذا القطاع فقد حرصت رئيسته بعد أن أبلغت بالزيارة بإعداد برنامج محدد يتضمن جولة كاملة للسادة النواب بما لا يخل ولا يعرقل أداء العاملين لشغلهم. شعر السادة النواب بالرضا وقرروا أن يكون هذا القطاع هو ختام جولتهم، ويبدو أن البرنامج قد أرهقهم رغم تكثيفه. سلّم السادة النواب على الآنسة الرئيسة وشكروها، فقامت بالسير معهم لتوديعهم حتى خارج القطاع، وقبل أن يصلوا إلى الباب المفضى إلى ساحة السيارات تم تقديم تورتاية إلى كل عضو منهم فى لفتة لطيفة من الشركة وحتى يتذوقوا شيئًا مما يقدمه القطاع، وللحق كان شكل التورتة يفتح النفس ومن الواضح أنها كانت لذيذة. الأمر الغريب والمفاجئ أن أحد الأعضاء بدلاً من الشكر والامتنان فإنه صاح مستنكرا فى لهجة مسرحية: كيف تقدمون لنا هدية من المال العام؟ هل علمتم أننا نقبل الرشوة؟ هل يحق لكم أن تتصرفوا فى الأطعمة والوجبات والحلويات كيفما شئتم؟ هل يا سيدتى من حقك أن تجاملى الضيوف على حساب المال العام؟
الحق أن السيد النائب كأنه ألقى لوح ثلج باردا على رءوس الحاضرين كافة سواء زملائه النواب الذين شعروا بالحرج أو الموظفين الذين يقومون بتوديع الوفد وعلى رأسهم رئيسة القطاع. طبعًا كان بإمكان الآنسة أن توضح لهم أن ميزانية القطاع بها بند يسمح بالهدايا بالبسيطة للعملاء والضيوف أسوة بكل شركات الطيران، وكان فى وسعها أن تحدثهم عن أهمية الدعاية والعلاقات العامة بالنسبة لأى ناقل جوى وأنه لا يمكن اعتبار هدايا شركات الطيران الرمزية رشوة، هذا فضلًا عن أنها لا تحتاج إلى أى من السادة النواب حتى ترشوهم. كان بإمكانها أن توضح هذا كله، لكنها لم تفعل. كل ما حدث أنها قالت: يا جماعة، الموضوع بسيط.. كثير من الرحلات عندما تهبط بالمطار يكون عليها مأكولات ووجبات لم يأكلها الركاب، وهذه المأكولات تكون سليمة وفى حالة جيدة وصالحة للأكل، ومع ذلك فإن لوائح الطيران تمنعنا من تقديمها على رحلة أخرى، فيكون مصيرها أن تُعدم وتلقى فى الزبالة.. واليوم رأينا أنه يمكن أن نستغل بعض الحلويات العائدة من الرحلات ونجامل سيادتكم بها بدلًا من إلقائها كالمعتاد فى الزبالة!.. قالت هذا ثم أعطتهم ظهرها وانصرفت.
يقول بعض الخبثاء وأنا لا أصدقهم أن هذا الوفد النيابى كان يضم أحد نواب القروض وأحد نواب الأراضى، إلى جانب واحد من أصدقاء سميحة!