فى الرِزْق
بسمة عبد العزيز
آخر تحديث:
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:25 م
بتوقيت القاهرة
على باب المطعم وقف رَجلٌ متواضع الحال، لا يلحُّ فى استجداء الخارجين، ولا يتصنَّع أمامهم الانكسار؛ إنما يتطلع فيهم صامتًا بملامح محايدة. وَضَعَت إحدى الصديقات يدَها فى جيبِ سترتها الخفيفة؛ لكنها لم تعثر على بغيتها. أخرجت حقيبتها تبحث فيها؛ فوجدت بضعَ أوراق من فئة مالية مرتفعة. ترددت قليلًا ثم ناولته واحدة وهى تتمتم لنفسها: "رزقه".
• • •
الرِزْق فى اللغة العربية هو كلُّ ما أصاب الإنسانُ من خير، سواء كان مالًا أو غير ذلك، الرازق فاعلٌ والرزَّاق صيغة مُبالغة أما المرزوق فمفعول به، وكثيرًا ما نستعمل كلمة "أرزُقي" بضمّ حرف الزين، وهى مُشتقُّ لا تحمله معاجمُ اللغة العربية، يُستخدَم لوصف الشخص الذى لا مهنة مُحدَّدة له، والعادة ما لم يكُن للمرء مورد رزق ثابت يتكسَّب منه، أن يُقال عنه: «على باب الله»، أى يَضرِب فى الأرض كيفما اتفق؛ فمتى صادفه الحظُّ أغناه فى يومه عن الكد، ومتى تخلى عنه بات جائعًا مهمومًا.
• • •
فى التعجُّب من نمط توزيع الأرزاق يُقال: "تبقى فى إيدك وتقسم لغيرك". القولة مَشوبة بشيء من الحسرة؛ فما كان قاب قوسين أو أدنى صار بعيد المنال؛ لكن ما باليد حيلة أمام استخدام الفعل "تقسم" الذى يعزو الحَدَثَ إلى قدر مُحقَّق؛ لا فائدة من معاندته أو محاولة الانتصار عليه، العبارة تبدو نوعًا من المواساة، ودعوة للرضاء بما وقع.
• • •
كثيرًا ما نلجأ للمثل الشعبيّ: "الرزق يحب الخفية" وفيه حثٌّ على الحركة وحضٌّ على السعى، وتنبيه إلى أن التكاسلَ والقعودَ عن المحاولة؛ إنما يوصدان أبوابَ الرزق. الشخص الخفيف لا يكلُّ ولا يمل، يمضى هنا وهناك ولا يكف عن مناكشة الفرص ولو لاحت ضئيلة، والغالب أن يتمكَّن من تحصيل ما يغنيه عن السؤال.
• • •
إن رأى الناسُ فى حَوزة أحدهم ما يفوق احتياجاته ويتجافى وظروفه؛ علقوا مُستنكرين: "يدى الحلق للى بلا ودان". فى القولة استياء واعتراض، مبعثهما سوء التوزيع واختلال التقدير؛ فهذا الذى نال الحلق؛ لن يستفيد به لنقصٍ يعانيه، وهذا الذى يَملِك ما يلائم الحلق؛ لا يحصُل عليه. الخلاصةُ وجود من هو أكثر استحقاقًا؛ لكن الظاهرَ لا يعكس دومًا الباطن، والحلق لا تلزمه بالضرورة أذنان؛ فربما كان له استخدام آخر غير الزينة.
• • •
كثيرا ما نستعين بالمأثور الشعبيّ الأصيل: "الكحكة فى إيد اليتيم عجبة"، نستعمله فى صيغة تقريريَّة أو نلقى به متسائلين، وفى الحالين ندعم حقَّ الآخر -الأقل درجة- فى أن يصيب شيئًا من طِيب العَيش؛ ولو كان فاقدًا مصدرَ الرعاية والعطاء. المأثور خبيثٌ لا يبرر ولا يُدين؛ إنما يُجسّد الواقع فى صورة بلاغية مُحكَمة؛ إذ يمثل الرزق عند من لا سند له ولا ظهر، إحدى العجائب التى ينكرها العقل ويعزوها لشيء من الانحراف.
• • •
إذا رأى الناس من يستنزَف نفسَه وينهكها فى عمل مُستعر مَحموم، يريد أن يحصد ما له وما لغيره؛ نبَّهوه قائلين: "اجر يا بنى آدم جرى الوحوش؛ غير رزقك لم تحوش"، والظنُّ أن المُغالاة فى طلب المزيد؛ شَرَه لا يأتى بجديد؛ بل يضيع فرص التمتُّع بالحياة.
• • •
هناك دائمًا هذا الشخص الذى يجد "رِزقه فى رِجليه"؛ فأينما حطَّ أصاب غنيمةً، ومتى تحرَّك صادفه مكسبٌ؛ لا شأن للأمر بكونه مُجدًا، دؤوبًا فى طلب حاجته؛ بل يرجع الناس شأنه إلى الحظّ وَحده ويغبطونه عليه. بعض المرَّات يُوصَف الشخصُ صاحب الرزق الوفير بأنه "مُرزَق"، وفى قول آخر بأنه "مُسعَد". الرزق مصدر سعادة أكيدة؛ ما لم يُضطَّر المَرءُ إلى إهانة ذاته فى سبيله.
• • •
بثَّت موجاتُ الإذاعة المسلسل الاجتماعيّ الظريف "عائلة مرزوق أفندي" بدءًا من نهاية الخمسينيات، وقد توقف عام ألفين وتسعة، ثم فوجئت بعودته منذ بضعة أعوام؛ فرحت أتابعه مُتوسلة بعضًا من رحيق الماضى الطيب الذى يتسم بالتماسك والسلاسة، ويحمل منطقًا مُجرَّدًا من العبث والسخف.
• • •
يُقال ما تلوَّثت الثياب بزبل الطير أو انطبع به زجاجُ السيارة؛ إن ثمَّة رزقًا فى الطريق، وفى سياقٍ مُشابه تُذكَر الأمثولة الطريفة: "دلقوا القهوة من عماهم وقالوا الخير جاهم". المأثوران يربطان حدثًا غير مُحبَّب بنتيجة مرغوبة، وعلى الشخص المُصاب ألا يتأذَّى أو يمتعض؛ بل أن يسعد بالإشارة الغيبيَّة ويترقَّب ما سوف يتلقى، وسواء كان سكْب القهوة أو بقع الزبل؛ فرِبْح قريبٌ من وَسَع.
• • •
فى موقف متكرر ومضحك أيضًا؛ يعثر واحد على غرضٍ فقدَه آخر، يفكر فيما يفعل، فيجد مَن يهمس فى أذنه: "رِزقك". القصد هو السماح للشخص بأن يأخذ ما وجد؛ دون أن يشعرَ بغضاضة. بعضُ الناس يُشرِّع لنفسه الاستيلاء على ما للعوام؛ عارفًا أنهم سيلتزمون الصمت، وأنهم يخشون الحديث، ويتحسَّبون من العواقب والتبعات.
• • •
بابُ الرزق فسيح بطبعه؛ لكن ثمَّة مَن يُضيقه على الناس ومن يتعمَّد وضعَ العقباتِ والعراقيلِ على عتباتِه، ومن يسعى للاستفادة فى هامشه، وكذلك من يحاول الاستحواز على كاملِ خيراته.
• • •
متى أخفق الواحد فى نيل مراده وأصابه الحزن، واساه الناسُ قائلين: "قسمة ونصيب". إحالة الفشلِ إلى أسبابٍ خارجةٍ عن اليد يُخفِّف المشاعر السلبيَّة، ويرفع عن المُخفِق المسئولية. القِسمةُ تعدُّ عادلةٌ والنصيبُ يَجب وأن يكونَ مَوضِع رضاء؛ وإلا نالَ الجشع من الواحد وأقضَّ مضجَعه.