صورة المرأة بين عصر الحريم وزمن الهواتف الذكية
رشا عدلي
آخر تحديث:
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:35 م
بتوقيت القاهرة
أثناء زيارتى إلى متحف بيرا فى إسطنبول، توقفت طويلًا أمام لوحة عن حياة الحريم؛ لم يكن المشهد كله هو ما استوقفنى، وإنما تفاصيل صغيرة قد تمر على الكثير من الزائرين؛ مثل حركة جسد، نظرة عابرة، امرأة فى الخلفية أو شىء موضوع فى طرف اللوحة يبدو هامشيًا، لكنه يخبرنا عن زمنها أكثر مما تقوله الحكاية الظاهرة أمام العين.
وما زاد من دهشتى أن هذه اللوحة -المرسومة عام 1654- لم تكن من ريشة فنان واحد، بل تكاتف على إنجازها ثلاثة من أهم الفنانين الأوروبيين (فرانز هيرمان، وهانس جيمنجر، وفالنتين مولر)، وكأن عالم الحريم المغلق كان أضخم من أن تحويه ريشة فرد واحد، غير أن ما استوقفنى أكثر من اللوحة نفسها هو العبارة المدونة فى زاويتها بخط ألمانى قديم، والتى تلخص الفلسفة الخفية خلف العمل وكأنها تقول للمتلقى الأوروبى بوضوح: «نحن نقدم لك هنا ما يُخفى عن الأعين، وما تتووق إلى رؤيته». لتتجلى أمامنا كيف تحول «الحريم» إلى مساحة تخيلية خصبة وشغف استوطن عقول الغرب، يصنعونه ويسوقونه للمتفرج الأوروبى بوصفه الوجه الآخر للرغبة والفضول.
ومن أمام هذه العبارة المعلقة فى الزمن، تحركت لأجد نفسى بعدها أمام غلاف فى المكتبة الملحقة للمتحف يضم مجموعة من الأعمال التى تقترب من الحياة الخاصة والجسد والرغبة فى المجتمع العثمانى، كان عنوانه Sexual Life in Ottoman Society للكاتبة التركية نيلجون أردوغان، وهو عن عالم الحريم فى المجتمع العثمانى اشترته رغبة فى معرفة الجديد، لكننى وبعد صفحات قليلة شعرت بأننى لا أجد الذى أبحث عنه.

الحريم ليس موضوعًا غريبًا بالنسبة إلىّ فقد سبق أن تناولته فى كتابى (القاهرة المدينة الذكريات) ومع ذلك ترك الكتاب فى ذهنى سؤالًا ظل يطاردنى ما الذى يبقى من الصورة بعد أن ينتهى الواقع الذى أنتجها؟
كان الحريم واحدًا من أكثر الأماكن التى أطلقت خيال الغرب عن الشرق، مكانًا مغلقًا لا تراه العين الخارجية، ولذلك كان من السهل أن يملأ الفنان غيابه بما يتخيله. فى الفن الاستشراقى، تحولت المرأة الشرقية تدريجيًا من امرأة لها حياة كاملة إلى صورة، جسد جميل، غامض، ساكن، ومتاح للنظر.
الفنان الفرنسى جان أوجست دومينيك إنجرس (1780 - 1867) لم يزر الشرق، لكنه رسم بعض أشهر الصور التى ارتبطت بالمرأة الشرقية والحريم، مثل (الأوداليسك الكبرى والحمّام التركي) وقد اعتمد على الأوصاف والخيال، وأعاد تشكيل الجسد وفق تصور مثالى للجمال، حتى بدا فى بعض أعماله أكثر جمالًا واستحالة فى الوقت نفسه.
أما الفرنسى جان ليون جيروم (1824 -1904). فقد زار الشرق وتكررت رحلاته الى مصر عدة مرات وهو مؤسس مدرسة الاستشراق الفرنسية، بالفعل هو شاهد بنفسه الأماكن وجمع الرسوم والصور والملاحظات، ثم أعاد تركيبها داخل لوحاته ولهذا تبدو أعماله أكثر واقعية، رغم أنها لم تكن بالضرورة تسجيلًا حرفيًا لما رآه، وبالرغم أن الفرق بينهما كبير بالتأكيد فإنجرس رسم شرقًا لم يره، وجيروم رأى الشرق ثم أعاد بناءه على القماش، وفى الحالتين اللوحة لم تكن نافذة على الواقع إنما هى طريقة لصناعة صورة عنه.
لم يكن الفنان يحتاج إلى اختراع الشرق كله يكفى أن يبدأ من شيء حقيقى، ينتقى منه ما يخدم الصورة التى يريدها، يستبعد ما لا يناسبها، ثم يضيف خياله. هكذا يمكن للصورة أن تكون واقعية فى تفاصيلها، ومختلقة فى معناها، ولم تكتفِ تلك الصور بتمثيل الشرق لكنها فعلت أكثر من ذلك لقد صنعت الرغبة فيه.
وصل بعض الأوروبيين إلى الشرق، وهم يحملون فى أذهانهم صورة جاهزة عن المكان والمرأة، كانت اللوحة قد سبقت الرحلة بالتأكيد.

وهنا، وأنا أفكر فى تلك اللوحات، وجدت أن المسافة بين القرن التاسع عشر وهاتف فى يد امرأة اليوم ليست بعيدة ليس لأن التجربتين متشابهتان ولكن والأهم هو أن آلية الصورة ما زالت تعمل بطريقة متقاربة.
فى الماضى كان الفنان يبدأ من واقع موجود، ينتقى منه ما يخدم عينه، يعيد ترتيب التفاصيل، ثم يصنع منه صورة أكثر جمالًا وإثارة من الواقع نفسه، اليوم تحدث العملية نفسها فى ثوانٍ.
تلتقط المرأة صورتها، تختار الزاوية والإضاءة، ثم تضغط على الفلتر، تصبح البشرة أكثر نعومة، والوجه أكثر نحولًا، والعينان أكبر، والخصر أنحف، وتختفى آثار العمر، الاختلاف هو أن الفنان الاستشراقى كان يحتاج إلى فرشاة، أما الآن فما نحتاجه هو خوارزمية وضغطة إصبع وهنا لا نستطيع اعتبار (الفلتر) مجرد وسيلة لتجميل صورة، إنه جزء من صناعة ضخمة تعلّمنا، بصورة غير مباشرة، أن هناك دائمًا شيئًا فى وجوهنا وأجسادنا يحتاج إلى الإصلاح، وراء تعديل الصور سوق كاملة من التطبيقات والاشتراكات والخصائص المدفوعة، وبذلك نجد أنفسنا لن ندفع مقابل أداة نحن ندفع مقابل نسخة أفضل من أنفسنا.

السوق لا يحتاج إلى أن يقنعنا بأننا قبيحون هو يقنعنا بأننا نستطيع أن نكون أجمل قليلًا ثم ياحبذا ببعض التعديلات لنكون أجمل قليلًا مرة أخرى، ثم مرة أخرى.
وهكذا تصنع السوق دائرة يصعب الخروج منها، المعيار يخلق الرغبة، والرغبة تخلق السوق، والسوق تعيد إنتاج المعيار، والأمر لا يتوقف عند الشاشة، فالمرأة قد تبدأ فى تعديل صورتها لإرضاء الآخرين، ثم يحدث شىء أكثر تعقيدًا فهى تبدأ فى تصديق صورتها المعدلة، تكرر النظر إلى وجهها المصقول على الهاتف، إلى جسدها الذى جرى تعديله، إلى البشرة التى اختفت منها آثار العمر، حتى يصبح هذا الوجه الرقمى أقرب إلى صورتها الذهنية عن نفسها من وجهها الذى تراه فى المرآة وهنا يتحول الخداع إلى مشكلة نفسية فلم تعد الصورة تخدع الآخرين فقط فهى قد تخدع صاحبتها أولًا! كم مرة تعرّف رجل إلى امرأة عبر الإنترنت، وتعلّق بصورة لها، وربما وقع فى حبها قبل أن يلتقيها؟ ثم يأتى اللقاء الأول، فيحدث ذلك الاصطدام الصغير بين الصورة والإنسان.
الصورة لم تكن كاذبة تمامًا، لكنها لم تكن حقيقية أيضًا، كانت نسخة محسّنة إلى درجة جعلت الحقيقة تبدو مختلفة.
قد يبدو هذا موقفًا شخصيًا عابرًا، لكنه يكشف شيئًا أكبر فعندما نعتاد رؤية النسخة المعدلة، قد تصبح الحقيقة نفسها بحاجة إلى تفسير وهنا تصبح الصورة نوعًا من الخداع البصرى، لكن المفارقة أن أول من يقع فى خداعها قد يكون صاحبها.

وهذا هو المكان الذى تلتقى فيه الصورة بالسوق، فالتطبيق لا يقول لك صراحة إن وجهك غير جميل، إنه يفعل شيئًا أكثر ذكاءً يمنحك الأدوات التى تفترض أن هناك دائمًا شيئًا يمكن تحسينه، أنف يمكن تصغيره، بشرة يمكن تنعيمها، جسد يمكن إعادة رسمه، كلما اتسعت المسافة بين الخداع والحقيقة، أصبحت أكثر احتياجًا إلى الصورة، وإلى التطبيق الذى يصنعها وهكذا لا يبيعنا السوق الفلاتر فقط، إنه يربح من الفجوة بين الإنسان وصورته، الصورة لا تقول لنا فقط كيف نبدو إنها تبدأ فى تحديد كيف نريد أن نكون.
وهذا يعيدنى مرة أخرى إلى الاستشراق ففى اللوحة الاستشراقية كانت عين خارجية تنظر إلى المرأة وتصنع لها صورة، أما اليوم، فقد انتقلت تلك النظرة إلى داخلنا، لم يعد الفنان هو الذى يحدد وحده ما الذى ينبغى أن يظهر وما الذى ينبغى أن يختفى؛ أصبحنا نمارس العملية بأنفسنا، انتقلت الفرشاة من يد الفنان إلى يد المستخدم.

ولكن هذا لا يعنى أننا أصبحنا أحرارًا فى اختيار صورتنا، فخلف الخيارات التى نظن أننا نختارها توجد آلاف الصور التى رأيناها، ومعايير الجمال التى تكررت أمامنا، والخوارزميات التى تعرف أى صورة ستجعلنا نتوقف وأى وجه سيحصل على الإعجاب ببساطة هناك ما يدفعنا لنختار(نعم).
هذا بدوره يجعل السؤال يستمر فى مطاردتى هل المرأة اليوم تعيش تجربة الصورة الاستشراقية نفسها؟
فنظام الحريم فى الظهور والاختفاء يتكرر أيضا فمن يرى المرأة، ومتى تظهر، وكيف تظهر، وما الذى يبقى فى المجال الخاص وما الذى ينتقل إلى المجال العام؟ حقيقى اليوم سقطت الجدران ولم يعد هناك عالم الحريم، أصبحت المرأة حاضرة فى جميع مجالات الحياة ولم تعد فى حاجة لفنان استشراقى ليصنع لها صورة فقد أصبحت قادرة على إنتاج صورتها بنفسها، لكنها دخلت فى الوقت نفسه عالمًا تحكمه الصورة وقد ينتهى بها الحال أن تعيش حياتها أمام صورة صنعتها بيدها وعليها أن تصبح شبيهة بها.
وربما وبعد كل هذه السنوات من النظر إلى الفن ودراسته لا أستطيع أن أتعامل مع الصورة باعتبارها مجرد انعكاس للواقع فهى الصورة تفعل أكثر من ذلك، إنها تختار، وتحذف، وتجمّل، وتخفى ثم تقنعنا أحيانًا بأن ما صنعته هو ما كان موجودًا منذ البداية.
فى زمن إنجرس وجيروم الخيال هو ما كان يصنع امرأة فى اللوحة، اليوم يصنع الهاتف نسخة من المرأة وفى الحالتين، تبدأ الحكاية من نظرة ثم تتحول النظرة إلى صورة، ثم تتحول الصورة إلى رغبة، ثم تبدأ الحياة فى محاولة اللحاق بها. والمفارقة هنا أننا لم نعد نحتاج إلى عين أخرى كى تصنع لنا الصورة، لقد تعلمنا أن نفعل ذلك بأنفسنا، فربما انتهى خيال المستشرق ولكن بقيت تلك النظرة التى تعيد تشكيل المرأة وفق قوانين السوق.
