حين يتعب الجميع.. من يهيمن على البحر الأحمر؟

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

فى 4 أكتوبر 2026، اشتعلت ضفتا البحر الأحمر فى يوم واحد، وهو يوم يصلح مدخلًا لفهم ما يجرى فى المنطقة كلها. فى الغرب دخل الجيش الإثيوبى مدينة ميكيلى، عاصمة إقليم تيجراى، بعد أن انسحب منها مقاتلو الجبهة. وفى الشرق أعلن رشاد العليمى، رئيس مجلس القيادة الرئاسى اليمنى، عملية «فجر اليمن» ضد الحوثيين. تبدو الحربان منفصلتين لمن يتابع كل واحدة منهما على حدة، لكن بينهما ممرًا ملاحيًا واحدًا لا يتجاوز عرضه عند باب المندب ثلاثين كيلومترًا، ومن يمسك بضفتيه يمسك بالطريق إلى قناة السويس. ووسط دخان المعارك يغيب وضوح الرؤية، ويسهل أن ننشغل بتفاصيل كل جبهة عن الصورة التى تجمعهما، وهذا المقال محاولة لاستعادتها: أن نرى الحربين مشهدًا واحدًا.

على الضفة الشرقية يخوض اليمنيون حربهم هم، لكن وقودها يأتى من الخارج: طيرانًا ومستشارين وتحالفات، وساحتها مضيق يهم العالم كله. فمنذ عام 2014 يسيطر الحوثيون على صنعاء، وهدنة 2022 أوقفت القتال لكنها لم تصنع سلامًا. وفى يوليو الماضى انهارت تلك الهدنة، وأعلنت الجماعة حصارًا بحريًا على السعودية، ثم استولوا فى 10 سبتمبر على ميناء المخا، ومعه نحو 150 كيلومترًا من الساحل ومضيق باب المندب نفسه. يتحدث الطرفان بلغة المذهب، فالحوثيون يرفعون راية عقائدية، ومفتى المملكة دعا الجنود إلى بذل أرواحهم فى قتالهم، لكن خريطة المعارك تقول شيئًا آخر: القتال يدور على ميناء ومضيق؛ فالحوثى يقاتل ليحكم اليمن، ولا ينتظر فى ذلك إذنًا من أحد. لكن خصومه لا يقاتلون وحدهم؛ فالطيران السعودى نفّذ -بإحصاء الحوثيين أنفسهم- 1,576 غارة، ومن خلفه مستشارون أمريكيون يمدّونه بمعلومات الاستهداف، ثم انضم سياسيًا إلى المشهد فى 5 أكتوبر «حلف مكة» الذى يجمع السعودية بتركيا وباكستان. وهكذا اتسعت دائرة الحرب حتى صار أطرافها أكثر من أهلها. أما الثمن فيدفعه اليمنيون: 112 ألف نازح فى أسبوعين فقط، و22 مليونًا يعيشون على المساعدات، ومدينة تعز تحت الحصار، كما تدفعه المملكة المليئة بالأهداف الحيوية عالية القيمة.

وعلى الضفة الغربية تتكرر الحكاية نفسها بأسماء أخرى: خصومة قديمة على الحكم، تحوّلها المصالح إلى حرب تشغل إقليمًا كاملًا. فقد حكمت جبهة تحرير تيجراى إثيوبيا من 1991 إلى 2018، ثم خاضت ضد رئيس الوزراء آبى أحمد حربًا دامت من 2020 إلى 2022، وأنهاها اتفاق بريتوريا دون أن يحسم شيئًا من أسبابها. وهذا العام استعادت الجبهة حكم الإقليم، ثم أعلنت فى سبتمبر تحالفًا من سبعة فصائل هدفه إسقاط آبى، وانتزعت منه ميكيلى، قبل أن يستعيدها جيشه فى مطلع أكتوبر، وإن كان قادة الجبهة يؤكدون أن القتال لم ينتهِ. القومية هنا هى وقود التعبئة، غير أن موقف إريتريا يكشف المحرك الحقيقى: فقد قاتلت إلى جانب آبى ضد تيجراى بالأمس، وتقف ضده اليوم لأنه يطالب بميناء عصب الإريترى، الذى لا يبعد عن حدوده سوى 60 كيلومترًا، وهو مطلب يمسّ سيادة دولة مستقلة منذ 1993. وللحرب هنا رعاتها أيضًا؛ فإثيوبيا تتهم إريتريا والسودان بدعم خصومها، وزجّت باسم مصر، بينما تنفى الدول الثلاث. أما إثيوبيا نفسها فحليفة للإمارات، التى ساندت آبى منذ وصوله إلى الحكم، ويزيد المشهد تعقيدًا خلاف اثيوبيا مع مصر على سد النهضة. والفاتورة هنا فوضى عارمة فى قلب القرن الإفريقى، ومن شواهدها 52 قتيلًا فى ثلاثة أيام حول بلدة ألاماتا وحدها.

• • •

وبين الضفتين خيط واحد يمر باحدى الدول الخليجية وبهرجيسا، عاصمة إقليم أرض الصومال الانفصالى، وعند طرفه تقف إسرائيل. وتقارير عن تنسيقها مع دول خليجية. وبعد أسابيع قليلة انطلق الهجوم الحكومى على الساحل اليمنى، فى جبهة قاتلت فيها قبل ذلك ألوية العمالقة اليمينة لكن تتابع الحدثين يستوقف المتابع ويدعوه إلى التساؤل. وعلى الشاطئ الإفريقى اعترفت إسرائيل بأرض الصومال فى ديسمبر 2025، ثم كشفت وكالة بلومبرج عن خطط لإقامة قاعدة هناك قبالة السواحل اليمنية، فاعترضت 21 دولة، وألغت مقديشو اتفاقاتها مع أبوظبى ووقّعت اتفاقًا دفاعيًا مع الرياض، وهدد الحوثيون بضرب أرض الصومال. وهكذا انقسم القرن الإفريقى إلى معسكرين: ففى العلمين استضاف الرئيس السيسى فى 4 أكتوبر قادة إريتريا والسودان والصومال، وفى المعسكر المقابل إثيوبيا وأرض الصومال والإمارات، ومعهم إسرائيل.

وإذا نظرنا إلى الصورة الأشمل ظهر ما لا نراه بوضوح: منظومة أمن البحر الأحمر يُعاد ترتيبها، لا بمؤتمر دولى، بل بإنهاك أصحابها. فالدول المتشاطئة تستنزف فيما بينها: السعودية تُستهدف مطاراتها ومنشآتها البترولية، وهبطت شحناتها عبر باب المندب إلى 1.5 مليون برميل يوميًا فى أغسطس، واليمن ينزف فى تعز، وإثيوبيا وإريتريا قطعتا العلاقات وتقفان على حافة حرب، ومصر لم تستعد بعدُ حركة الملاحة فى قناة السويس إلى سابق عهدها، رغم تحسن المؤشرات عن عام 2024. وفى هذه الأثناء يكتب محللون إسرائيليون صراحة أن على بلادهم أن تبادر إلى تشكيل ميزان البحر الأحمر بعد انكفاء واشنطن، وأن تصير هى الضامن لأمنه. والسابقة قريبة: فحين سقط نظام الأسد فى ديسمبر 2024 لم تكن إسرائيل هى من أسقطه، لكنها دمّرت ما بقى من سلاح الجيش السورى، وتقدمت فى المنطقة العازلة وجبل الشيخ خلال أيام معدودة. فمن يبقى سليمًا حين يتعب الجميع لا يحتاج إلى نصر، بل يكفيه أن يكون الطرف المرجِّح، الذى يستطيع حسم الأمر لصالحه. صحيح أن هذه النتيجة ليست حتمية؛ فالأزمة نفسها دفعت السعودية وتركيا وباكستان إلى التكتل فى «حلف مكة»، وأكسبت الحوثيين خبرة قتالية جديدة، وكلا الأمرين يعقّد حسابات إسرائيل. لكن الخطر قائم، والأجدى أن تنتبه له دول المنطقة الآن، قبل أن يصير أمرًا واقعًا يصعب تغييره.

• • •

الرؤية التى يطرحها هذا المقال بسيطة فى صياغتها، صعبة فى تنفيذها: أمن هذا البحر لن يحميه إلا أهله، إذا جلسوا إلى مائدة واحدة قبل أن ينهكهم القتال ويفرض غيرهم الترتيبات عليهم. فقمة العلمين، وحلف مكة، والتحالف البحرى الذى أسسته 14 دولة فى يوليو، كلها لبنات متفرقة تعمل على جبهات متفرقة، وتنتظر من يجمعها فى بناء واحد. فهل حان أوان تفعيل «مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن»، أم ستكتشف دول الضفتين -بعد أن ينقشع الغبار- أن مفاتيح باب المندب صارت فى يد من انتظر على مهل حتى تعب الجميع؟


باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved