1998.. ذكريات من الفولجا

عاطف معتمد
عاطف معتمد

آخر تحديث: الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

تيكڤا!

دخلت صباح اليوم إلى بائع الخضر والفاكهة فوجدته يعلق فى سقف المتجر واحدة من الثمار الضخمة برتقالية اللون، نعرفها فى مصر باسم «قرع العسل».. كانت تتدلى متهادية كأنها ثريا ذهبية.

ما إن رأيتها حتى أخذتنى الذكريات إلى عام 1998 حين كانت المرة الأولى التى جربت فيها طعم هذه الثمار فى وجبة شهية على مائدة تجمع عائلة كاملة من الأبناء والأحفاد.. فى مدينة «ريزان» على نهر الفولجا فى روسيا.

كنت وقتها قد تعرفت على شاب روسى يكبرنى بسبع سنوات، اسمه ميخائيل سوفورف.

كان ميشا (اسم التدليل لميخائيل) يدرس الدكتوراه فى الأدب العربى، وبالتحديد فى الشعر اليمنى، ويلقى محاضرات كأستاذ مساعد على طلاب كلية الاستشراق فى السنوات الأولى التى يتعلمون فيها مبادئ اللغة العربية.

وجد كل منا ضالته فى الآخر، أنا أريد أن أتعلم الروسية من أهلها، وهو يريد أن يتحدث العربية.

تعززت العلاقة يومًا بعد يوم، كنت أسأله عن مغاليق اللغة الروسية وكان هو فى غاية السعادة لأن يتحدث العربية مع ناطق من أهلها، جاء إلى بلاده لدراسة الدكتوراه.. هنا على بحر البلطيق.. فى تلك المدينة التى أسسها بطرس الأكبر قبل 300 سنة لتكون «نافذة روسيا على أوروبا».

توطدت علاقتى بميشا وصرنا نتبادل الأفكار والدعابات ذات التقاطع الثقافى بين البيئتين العربية والروسية.

ذات صيف قرر ميشا وزوجته أولجا أن يسافرا إلى منزل العائلة فى مدينة ريزان على نهر الفولجا.

سألنى ميشا: أتحب أن تنضم إلى الرحلة؟.. رحبت على الفور!

سافرنا معًا بالقطار من مدينتنا ــ سان بطرسبرج ــ مرورا بموسكو ووصلنا إلى ريزان.. فاستقبلتنا بيئة روسية شبه ريفية بمشاهد مثالية كما فى الكتب والأطالس الملونة.

أمضيت مع ميشا عدة أيام فى تجوال فى الغابة، كنا نقضى ساعتين كل صباح لجمع طعام الافطار المجانى!

فى الغابة الروسية ينمو نبات الفطر الذى نسميه «عش الغراب». علمنى ميشا كيف أجمعه أسفل سيقان الأشجار الباسقة وبين الصخور فى أرض الغابة.

ظننت فى نفسى الخبرة بعد يومين ومددت يدى إلى بعض نباتات الفطر المزهرة فحذرنى ميشا من الاقتراب لأنها سامة لا تصلح للطعام.. وأن عين الخبير فقط هى التى تفرق بينها وبين الصالح للأكل.

ثم أخذنى ميشا فى جولة بقارب العائلة فى نهر «أكا».. تبادلنا التجديف فى النهر ومررنا على فلاحين روس ما زالوا كما لو كانوا فى العهد السوفيتى: ملمحًا وشكلا وعادات وتقاليد وألوان الحياة.

«أكا» هو النطق الروسى للنهر الشهير «أوكا» الذى يعد أحد روافد الفولجا ويتدفق من الغرب للشرق نحو مجرى النهر الرئيس، ويناظره رافد «كاما» الذى يتدفق من الشرق للغرب قبالة مدينة قازان.. التى وصل عندها الرحالة العربى أحمد بن فضلان قبل 1100 عام قادما من بغداد لنقل رسالة الإسلام إلى البولجار (البلغار).

فى نهاية الأسبوع أخذنى ميشا إلى سوق المدينة، رأيت سوقًا شرقية بامتياز، مئات البائعين من آسيا الوسطى ومسلمى الاتحاد السوفيتى السابق وقد جاءوا بكل ثمار وبضائع بلادهم.

اختار ميشا ووالده (أستاذ علم الرياضيات فى جامعة ريزان) ثمرة ضخمة من قرع العسل والتى تسمى عندهم «تيكفا».

كان اليوم هو يوم تجمع العائلة: الأبناء والأحفاد.

تولت الأم (وهى أيضا أستاذة جامعية) تجهيز الطعام وساعدتها بعض فتيات العائلة (ومن بينهم أولجا زوحة ميشا).

فى المساء مدت الأسرة مائدة فسيحة تسع أكثر من 10 أفراد، وعلى المائدة وجبة شهية من شوربة التيكفا، دارت الأوعية الساخنة على الجميع فى سعادة وجو أسرى حميم.

حين نظرت اليوم إلى تلك الثمرة الضخمة من قرع العسل وهى تتدلى من سقف متجر الخضر والفاكهة قلت إن الأولى بها عائلة كبيرة من 10 أفراد او أكثر.

وبينما أكتب هذه السطور تاه منى اسم الثمرة فى اللغة الروسية، بحثت على الإنترنت حتى وجدت الاسم «تيكڤا Тыква» ومع الاسم مقال لكاتب روسى يعرف القراء بأن هذه الثمار ــ هى والذرة ــ من هدايا العالم الجديد للعالم القديم.

فرغم أن هذه الثمار معروفة للسكان الأصليين فى الأمريكتين منذ آلاف السنين إلا أنها من أحدث الثمار التى دخلت المائدة فى بقية أرجاء العالم، ولا يعود عمرها لأكثر من 500 سنة فقط بعد حركة الاستعمار وما سمى الكشوف الجغرافية.

تيكڤا.. ما أجمل الذكريات مع صديق قديم، وعائلته الكبيرة، فى ريف وغابة ونهر، هناك فى مدينة ريزان.. على نهر أكا.. الذى نكتبه على الخرائط العربية «أوكا».. الرافد الكبير لنهر الفولجا الذى قيل عنه: «الفولجا هو نيل روسيا».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved