من ميت رهينة إلى جزيرة الوراق

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: الأربعاء 10 أبريل 2019 - 10:47 م بتوقيت القاهرة

فى خريف 2018 بدأت تسعة أسابيع من الجولات مع طلبة السنة الثالثة فى عمارة القاهرة. بدأنا من ميت رهينة وانتهينا بجزيرة الوراق وتتبعنا فيها علاقة القاهرة بالنيل ورأينا أن النيل الذى كان منذ خمسة آلاف عام فى موقع ما غرب ميت رهينة الحالية وهو ما يبعد حوالى ثلاثة كيلومترات وربما تزيد عن شاطئ النيل الحالى الغربى. ثم تابعنا كيف أن الأفرع المندثرة للنيل تركت لنا آثارا لمكانها كما يظهر ذلك فى مدينة أون أو هليوبوليس القديمة أو فى قلعة تراجان التى اخترقتها قناة تراجان واصلة النيل بالصحراء الشرقية فى مصر والتى تحولت إلى حصن بابليون ثم حولها المصريون إلى مدينة مصغرة للكنائس المتنوعة ودير للرهبان ثم مع اندثار صلة القناة بالنيل بنى العرب عند قدومهم إلى مصر وصلة أخرى للقناة القديمة ليصبح شريان الحياة للقاهرة من عمرو بن العاص وحتى قرب نهاية القرن التاسع عشر، رأينا ومشينا على خطى النيل فى كل مرحلة واستكشفنا حفريات ودخلنا المتاحف المتاحة لكل مرحلة.

من فوق جراج العتبة رأينا كيف أن ميدان وحديقة الأزبكية لم يبق منها إلا قطعة خضراء صغيرة بعد أن كانت بحيرة موسمية حولها محمد على فى منتصف حكمه إلى حديقة بمسطح حوالى عشرين فدانا ثم قلصها ابنه اسماعيل ثمانية فدادين حتى يستطيع أن يبيع باقى الأرضى ويمول منها مشروعاته ثم بنى بها سنترال العتبة ومسارح أخرى فى النصف الثانى من القرن العشرين والآن أتمنى ولكنى خائف أن تعود ورشة بناء المترو إلى حالها الأصلى كحديقة.

ونحن نمشى متتبعين أثار الخليج المصرى، رأينا كيف انسحب النيل وملحقاته من الترع والبرك من حياتنا أحيانا بوحى الطبيعة وفعلها وأحيانا أخرى بفعل الإنسان كما فى القناطر المتعددة التى تهدف للتحكم والسيطرة عليه ابتداء من القناطر الخيرية فى عهد محمد والقناطر التى تلتها والتى كان اخرها قناطر اسنا والتى تم افتتاحها منذ عدة شهور. وتجولنا بالدراجات على الرصيف العريض لكورنيش النيل بامتداد حى جاردن سيتى وبولاق وتوقفنا مرات عديدة نتحدث عن تحول المناطق المجاورة للنيل فى القرن التاسع عشر من مناطق مستنقعات بسبب الفيضان إلى ما هي عليه الأن. و هكذا بدأت بالظهور أماكن جديدة كميدان التحرير كما ظهرت جاردن سيتى ثم تم نقل مدخل ترعة الاسماعيلية من مكانها بين المتحف المصرى وفندق هيلتون رمسيس الآن إلى مكانها الجديد فى منطقة المظلات. ورأينا كيف أثرت السدود بداية من خزان أسوان الأول وتعليته وحتى السد العالى على حركة النهر والحياة بداخل واديه ويظهر بعض ذلك فى المبانى التى أصبح من الممكن بناؤها خاصة فى ساحل بولاق.

كانت نهاية الرحلة ذات التسعة أجزاء فى جزيرة الوراق وكنت أناقش مع طلبتى الأعزاء كيف كانت مدينة القاهرة ومصر كلها أيضا مرتبطة ارتباطا لا يمكن فضه بالنيل. كانت الحياة لها دورات تمتد أحيانا لآلاف السنين كما فى مدينة منف والتى تدهورت قبل ألفى عام ثم ظهر في مكانها قرية ميت رهينة. ولكنها قبل أن تنهار تماما كان هناك البطلميون ثم المصريون فى حصن بابيلون ثم كان العرب فى الفسطاط، ثم، ثم. و لكنها فى كل الأحوال كانت مرتبطة بالنيل. الذى شكل المكان الذى عاشت فيه مجموعات متنوعة من البشر شكلوا وأثروا فى حياتنا حتى الآن. لقد كان النيل هو ما ساعد وسمح بهذا التعدد الثرى لنتاجات البشر وثمرات أعمالهم وأفكارهم واختلاطها بالشكل الذى نعيش بعضا من بقاياه.

خلال تلك الرحلة رأينا أن التغير الدائم يكاد يكون هو القانون الحاكم وأن محاولة التحكم فى هذا التغير وليس التعامل معه قد يجلب منافع قد تستمر بعض الوقت لكنه أيضا قد يجلب ما قد لا يكون بمقدورنا التعامل معه ببساطة. يحمل هذا التغير الدائم رسالة واضحة يراها العالم كله الآن وهى أن احترام الطبيعة والتعامل معها بجدية هو ليس اختيارا لأن القوة والكلمة الأخيرة تبدو بوضوح للجميع الآن هى بيد الطبيعة لا بيدنا نحن. أكبر المخاوف الآن أن تتحول القاهرة المدينة التى تشكلت بفعل النيل شيئا فشيئا إلى مدينة عادية تفتقد هذا التفرد والتنوع والحياة المذهلين الذين ظهروا لنا بعض من لمحاتهم فى مسيرتنا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved