لا مستقبل بدون الهوية العربية الجمعية

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 10 يوليه 2019 - 8:20 م بتوقيت القاهرة

فى مؤتمر حضرته مؤخرا طرح موضوع الهوية العروبية الجمعية الذى تسعى بعض أنظمة الاستعمار الغربى، بالتناغم التام مع النظام العنصرى الصهيونى فى فلسطين المحتلة، وبتعاون من قبل بعض الكتاب والأجهزة العربية، تسعى جميعها إلى تشويهها وإضعافها فى الذاكرة الجمعية العربية.
عملية التشوية والإضعاف تلك تستعمل كسلاح ناعم فى حروب متنامية لمزيد من تجزئة الوطن العربى، وإدخال حكوماته وشعوبه فى صراعات وحروب أهلية لا تخمد فى مكان حتى تشتعل فى مكان آخر، تمهيدا لقيام الدويلات الطائفية أو العرقية أو القبلية، وبشرط بقاء تلك الدويلات الجديدة تحت المظلة الاستعمارية ــ الصهيونية المشتركة واندماجها الكامل، كتابع دليل مستهلك، فى النظام العولمى النيوليبرالى الرأسمالى.
من يريد أن يتعرف على أهداف ووسائل عمليات التشويه تلك ما عليه إلا أن يقرأ كتابات المستشرق الأمريكى الصهيونى برنارد لويس، وما نادى به رئيس الكيان الصهيونى السابق شمعون بيريز بشأن الشرق الأوسط الجديد، وتفاصيل مشاريع مثل «الحلف من أجل المتوسط» أو «الشرق الأوسط الكبير الجديد»، وما يكتبه الآن بعض العرب من الذين تخلوا عن أى التزام وطنى أو قومى.
قوى الشر والتآمر تلك تعتقد بأن فرصتها التاريخية لإنجاح خططها توجد فى اللحظة الحالية التى تعيشها الأمة العربية وتحياها الأرض العربية بكاملها.
لنعد إلى موضوع الهوية. ما لفت انتباهى هو الاهتمام غير الطبيعى الذى أعطاه بعض المتحدثين والمحاورين فى ذلك المؤتمر للهويات الفرعية، الدينية والمذهبية والاثنية واللغوية، واعتبار وجودها إشكالية تتشابك وتتصارع مع الهوية العروبية الجمعية. وهو طرح غير موضوعى، إذ إن الإنسان العربى، مثل غيره فى كثير من بلدان العالم، يمكن أن تتعايش فى ذهنه ومشاعره عدة هويات فرعية طالما أنها تتعايش بسلام وتسامح من جهة، وطالما أنها لا تتقدم على الهوية الجمعية التى تسعى لقيام أمة واحدة غير مجزأة فى وطن واحد غير مجزأ ولا تتنافس معها من جهة ثانية.
الهوية العروبية الجامعة لا يمكن أن تتعارض مع كون الإنسان العربى أيضا كرديا أو أمازيغيا، سنيا أو شيعيا أو درزيا، مصريا أو عمانيا أو مغربيا، فردا منتميا لهذه القبيلة أو العشيرة أو تلك. أنها، وبالعكس، تعتبر الهويات الفرعية ومكوناتها اللغوية والثقافية والدينية مصدر إثراء لها ومصدر تجديد دائم لمكوناتها.
إن الهوية العروبية الجامعة لها مكوناتها الخاصة بها، مثل اللغة العربية الأم والتاريخ الطويل المشترك، وأشكال كثيرة من التعبيرات الثقافية والفنية والسلوكية المشتركة، وبالتالى الأحلام والآمال المشتركة. كل ذلك كوًّن «الأنا» الجمعية العربية المشتركة.
وهى ليست جامدة ومنغلقة على ذاتها التاريخية. ذلك أن كل حقبة زمنية تطرح على تلك الهوية، على«الأنا» أسئلة جديدة تستدعى مراجعة مكونات الهوية، حتى تتخلص من أية جوانب وممارسات سلبية، وحتى تضيف محلها جوانب وممارسات إيجابية جديدة من خلال تحليلات موضوعية نقدية تجاوزية، وبدون أى خوف أو تردد.
الهجمة الاستعمارية ــ الصهيونية الحالية هى لمنع طرح أسئلة التجديد فى هذه الهوية وأسئلة ربطها بالواقع العربى. الأسئلة ستكشف للإنسان العربى أن تجزئة وطنه إلى دول وبناء أمته على أساس الهويات الفرعية هو الذى أضعفها فى حقول السياسة والاقتصاد والأمن والعلم والثقافة وجعلها مستباحة ومنهوبة ومهيمن على كل مقدراتها. وستكشف أن خطابات ومواقف سياسية عربية واحدة، وأن اقتصادا مشتركا واحدا، وأن قوة عسكرية واحدة، وأن ثروة الوطن العربى كله هى للأمة العربية كلها وأن كل ذلك سيؤدُى إلى إخراج العرب كلهم من الضعف والتخلف والتهميش والعيش على أطراف حضارة العالم.
لكل تلك الأسباب تحتاج قوى المجتمعات العربية كلها أن تضع جهدا هائلا لحماية وتقوية وتجديد هذه الهوية العروبية الجمعية. هذا الجهد يحتاج أن يبدأ فى البيت، ليمر فى المدرسة والجامعة، ولينتهى فى مؤسسات السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام فى طول وعرض بلاد العرب. ويحتاج أن يركز على إعادة الاعتبار للغة العربية الأم. تكلما وكتابة وقراءة، ولتعميق الوعى المتزن بالمشترك فى التاريخ والجغرافيا والثقافة والفكر والقيم الروحية والأخلاق، وللإقناع العلمى بالأهمية الكبرى لأهداف أمة العرب النهضوية فى المستقبل مثل وحدتها واستقلالها وتجديدها الحضارى وانتقالها إلى نظام ديمقراطى عادل وبنائها لمجتمعات إنسانية فى الحقوق والمسئوليات.
المحاولة الحالية الخبيثة لإيجاد شكوك وفوضى فكرية وشعورية بالنسبة للهوية العربية الجمعية هى أحد السموم التى يراد لشباب وشابات الأمة العربية أن يتجرعوها حتى يسهل تدمير هذه الأمة. موضوع الهوية هو موضوع وجودى، ويجب أن يعالج كموضوع حياة أو موت.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved