السرقة الموصوفة للثورة السورية

سلام الكواكبي
سلام الكواكبي

آخر تحديث: السبت 10 أغسطس 2013 - 11:02 ص بتوقيت القاهرة

على هامش القصف والتشريد والتدمير والقتل اليومى الذى يصيب المدنيين فى انحاء عدة من الوطن السورى، والذى تقوم به قوات عسكرية وشبه عسكرية سعيا وراء الاحتفاظ بالسلطة وتدمير ما تبقى من نسيج مجتمعى وتوافق وطنى، تشتعل جبهات عدة بعيدا عن أهداف الشعب السورى التى كانت حجر الأساس فى تحفيزه على التظاهر وكسر عقدة الخوف والمطالبة بحقوقه الأساسية التى ظل محروما منها عقودا خمسة.

فمن جهة، تصطدم مجموعة مسلحة «دينية»، هجينة المنبت العقائدى وغير واضحة الهوية الوطنية، مع مجموعة مسلحة كردية الهوية تحاول السيطرة على الشارع الكردى وترهبه بقوة السلاح محتفظة بشبكة علاقات معقدة ومتناقضة مع قوى الثورة ومع النظام القائم. وبالطبع، فالمدنيون هم الضحايا ولا أحد، حتى إشعار آخر، يأخذ فى الاعتبار هذا المكون البشرى فى المقتلة السورية بكافة أبعادها.

ومن جهة أخرى، تسيطر نفس المجموعة «الدينية»، أو فروعها، على بعض المدن والبلدات التى خرجت عن سطوة النظام محاولة فرض قواعدها التشريعية المستمدة من قراءة منقوصة ومغلوطة للنصوص الشرعية. وتسعى من خلال ذلك لخلق بؤر سيطرة سياسية ومجتمعية بعيدة لسنوات ضوئية عن غايات وأهداف قوى الثورة السورية. أضف إلى ذلك، فإن «شجاعة» هذه المجموعة تتجسد فى الاعتداءات المتلاحقة على المدنيين أو اعتقال المكون المدنى فى المجالس المحلية المنتخبة أو فى تجريد قوى الجيش الحر من اسلحتها واخضاعها. أما مواجهة السلطة، فهى مهمة ليست من أولوياتها، فعلى المكون المدنى الديمقراطى وقوى الجيش الحر أن تقوم بهذه المهمة، لتأتى قوى الظلام والظلم لتأخذ القيادة باسم ما تجهل.

•••

فى هذه الأثناء، يدفع الشعب السورى بكافة مكوناته الثمن البشرى الأعلى ويبحث عن بصيص أمل فى قوى المعارضة السياسية التى ما زال تخبطها هو عنوان المرحلة :

فمن مكونات تقليدية هلامية الموقف والتصريح والفعل تبحث عن استرجاع دور ما اعتقدت لوهلة بأنها امتلكته فى ماضيها. إلى مكونات عقائدية تعارض كل توافق على خط سياسى موحد يصل بهذه الثورة إلى شاطئ الأمان، وذلك بالتوافق مع عقيدة ترسخت فى ذهنية زعيمها الأبدى والتى لا تقبل أى تطوير أو نقاش. إلى جماعة دينية تتسم بالاعتدال حتى يثبت العكس، فقدت شرعيتها المجتمعية فى زمن ماض وتبحث عن استرجاعها بكل السبل معتمدة على برغماتية سياسية مقلقة. إلى جماعات مستقلة تنظر إلى سوريتها بمعزل عن الواقع مُسقطة عليها نظريات مثالية تستند إلى قراءات نخبوية....إلخ.

وفى هذه المعمعة السياسية، يحاول ائتلاف وطنى أن يجمع الأضاد معانيا من «صبيانية» بعض أعضائه، والأمراض النفسية لآخرين، أو الارتباطات الخارجية أو المصالح الشخصية، والتى هى ليست بالضرورة فى تعارض مع أهداف الثورة القائمة ولكنها بالتأكيد مضرة للتوافق والاتفاق.

فى هذا الضباب النتن المسيطر على أجواء هذا الوطن الضحية، تمتد أذرع الجماعات المسلحة المرتدة عن أى دين، لأن نعتها بالتشدد الدينى فقط لفيه دفاع غير مقصود عما تحمله من أجندات غريبة عن المجتمع السورى وعن عقائده المتسامحة والمنفتحة، والتى لا تحتاج فى نضجها وتطورها لجهلاء القرن الواحد والعشرين الذين تربوا فى أقبية متعددة المشارب والذين استُخدموا من قبل انظمة عدة حينما اشتدت الحاجة لهم فى وقت من الأوقات.

تتكاتف جهود اولئك مع جهود النظام فى السعى إلى اسكات الصوت الحر. فليس من المستغرب أن تتم ملاحقة رموز الحراك المدنى فى مناطق سيطرة النظام، بالتوافق مع سعى هذه المجموعات المرتدة إلى اسكات كل صوت يختلف عنها أو ينتقد خطواتها التدميرية للمجتمع السورى. وليس من المستغرب أنها تبتعد شيئا فشيئا عن مؤازرة المقاومة المدنية والعسكرية، وتعقد الصفقات المشبوهة نفطيا وقمحيا.

•••

تتطور الأمور فى اتجاه خطير ومقلق. رغم أن هذا كان متوقعا بالاستناد إلى معايير التحليل المنطقى لتفاقم المقتلة السورية وسعى النظام لتنفيذ سيناريو «إما أنا أو الطوفان»، وعجز ما يسمى بالمجتمع الدولى عن إيقاف حمام الدم المتدفق من شرايين السوريين، وضعف المسئولية الوطنية لدى بعض المعارضة السورية مقابل تفاقم العقدة «الأنوية» المتقيحة، وتطور الخطاب الجاهلى المعتمد على مفاهيم مشوهة للدين الإسلامى والمستند إلى مرجعيات لا ناقة لها ولا جمل فى العلم الدينى.

السوريون قلقون من السرقة الموصوفة الجارية أمامهم لثورتهم بالتعاون بين الجانى الأول وتفرعاته. 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved