فلنعد إلى الموضوع الأساسى.. الأزمة الخليجية

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الخميس 10 أغسطس 2017 - 10:45 م بتوقيت القاهرة

إلى أين يريد البعض بكل أصنافهم وطبقاتهم إيصال المواطن العربى فى دول مجلس التعاون الخليجى، وهو الذى يعيش حاليا حالة الفواجع والضياع على مستوى الوطن العربى وعلى مستوى الإقليم الخليجى؟
هل المطلوب إضافة مصدر شقاء نفسى وذهنى جديد فى حياته، وذلك بالطلب منه، بوتيرة لا تتوقف، أن يمارس حياة الاستقطاب العبثى والتخندق الطفولى الممل فى دعم هذا البلد ضد ذلك البلد، أو هذا الرئيس ضد ذلك الرئيس، أو هذا الفقيه الملتحى ضد ذاك الفقيه المعمم، أو هذا المنبر الإعلامى الفضائحى ضدُ ذلك المنبر المضحك المبكى؟ وفى خضم هذا الاستقطاب الشوفينى المتعصب وذلك التخندق النفعى المضيع للوقت والجهد، تتشوه وتختفى القضية الأساسية ونعيش الوضع الكارثى الحالى لمنظومة إقليمية عربية كانت تمثل فى حياة الإنسان العربى الخليجى أملا للنهوض وطريقا للخلاص من الضعف والتخلف وفواجع الابتزاز الاستعمارى. القضية الأساسية، والتى يجب أن نعود إليها: لماذا فشل مجلس التعاون فى تطوير أنظمته وأدواته وعلاقاته، عبر أكثر من ثلث قرن، بحيث يمنع حدوث حالة الانقسامات والصراعات والمؤامرات والاتهامات المجنونة وأهازيج الانتصارات الوهمية التى تعيشها دولة فى هذه الآونة البائسة؟
لنذكُر المسئولين منهم، الأموات والأحياء، فلعلُ الذكرى تنفع الجميع.
***
لقد طالب الكثيرون بضرورة وجود آلية قانونية قضائية مستقلة وفاعلة فى داخل تركيبة المجلس ترجع إليها الحكومات والمجتمعات والمؤسسات والشركات عند وجود الخلافات أو الشكاوى فيما بين بعضها البعض. لكن مسئولى دول المجلس لم يستجيبوا، وجهلوا تعقيدات العصر الذى تعيشه الأمة العربية والمنطقة وظنوا أن العلاقات القبلية والعائلية ستكون كافية. وها نحن اليوم نحصد نتيجة ما جهلوا وما ظنُوا.
لقد طالبنا بضرورة وجود وزارات تعنى بموضوعات مجلس التعاون وتشابكات المصالح فيه، وحتى لا تبقى الكثير من القرارات غير مطبُقة فى الواقع. لكنُ المسئولين تجاهلوا ذلك.
لقد كتب الكثير فى أهمية أن تدرك الحكومات مبدأ التنازل عن جزء من السيادة الوطنية إذا أريد للمجلس أن يلعب دورا فاعلا وحقيقيا وغير مظهرى فى وضع أسس ومحددات لعلاقات دول المجلس ببقية دول الوطن العربى من جهة والدول غير العربية من جهة ثانية، ولعلاقات دول المجلس بالمؤسسات الدولية من جهة ثالثة. لكن المسئولين فى دول المجلس فضلوا الاستقلالية التامة فى اتخاذ قراراتهم الوطنية، فكانت النتيجة هى دخول بعض دول وبعض جهات المجلس فى ألعاب إسقاط هذا النظام العربى، أو إزاحة ذلك الرئيس العربى، أو دعم وتمويل وتسليح ذلك الفصيل الإسلامى العنفى المجنون، أو تطبيع العلاقات مع عدو الأمة العربية الصهيونى التاريخى فى فلسطين المحتلة، أو التنسيق الأمنى المشبوه مع هذه الاستخبارات الدولية أو تلك، أو تبذير الأموال فى شراء ذمم انتهازية فى هذا البلد الغربى أو ذاك، أو فى الدخول فى تحالفات متقلبة عبثية مع هذه الدولة الإقليمية أو تلك. ومرة أخرى تجاهل المسئولون بحث هذا الأساس المبدئى، أساس التنازل عن جزء من السيادة الوطنية لصالح السيادة القومية المشتركة، وها نحن اليوم نحصد نتائج كل أنواع الجنون الذى أدخل بعضنا فى متاهات وأوهام وعنتريات أقوى وأعقد وأدهى منهم ومن حجمهم، وإذا بالألعاب الصبيانية تحرق يد الجميع.
لقد تعب الكثيرون وهم يذكُرون قادة المجلس بأن هذا المجلس لا يخصهم وحدهم، وأنه ملك مجتمعات ومواطنى المجلس أيضا، وبالتالى فإن الواجب أن تكون للمجتمعات كلمة ويكون لها دور فى اتخاذ القرارات، كل القرارات، لكن الاستجابة لهكذا طلب وهكذا موضوع حيوى ووجودى لم تزد عن تكوين لجنة استشارية من أعضاء معينين تابعين لتقدم توصيات وتمنيات ورجاءات. ومرة أخرى أضاع القادة فرصة أن تحمل المجتمعات المسئولية معهم فى عالم بالغ التعقيد والتحديات والأخطار، وفضلوا أن يعيشوا خارج العصر ويبقوا على العلاقات الأبوية والريعية وغير المقننة مع مواطنيهم ومجتمعاتهم بدلا من تقنينها وعصرنتها.
***
هل يريد قادة دول مجلس التعاون الخروج من وحل الصديد والدم والدموع الذى نعيشه؟ إذن ليكونوا فرق عمل خبيرة عالمة موضوعية شجاعة تدرس لهم الوضع الحالى والمستقبلى وتقدم الحلول من أجل منع انهيار حلم عربى فى منطقة الخليج العربى، كان أملا وكان بصيص نور فى ظلمات فوقها ظلمات. ولتناقش تلك الحلول فى داخل المجلس على الكثير من المستويات، ولتكن هناك شجاعة وتواضع فى قبول الكثير من الحلول المنطقية والواقعية التى ستقدم، ولتكن هناك تنازلات تاريخية، وليكن هناك خوف لا على مستقبل دول مجلس التعاون فقط، بل على كل دول الأمة العربية، وليمتنع الجميع عن استشارة تلك الدولة الأجنبية أو الإقليمية عن المقبول وعن المرفوض، ولنتصرف كبشر أحرار بضمائر ورسالة وعقول نيرة عادلة محبة وإنسانية.
نحن العرب، نرتكب الحماقة تلو الحماقة، حتى إذا وصل الأمر إلى الكارثة انشغلنا بالنتائج على حساب الأسباب. وبعد، لنتق الله فى شعوبنا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved