توافقات واختلافات فى المشهد العراقي

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الثلاثاء 10 أغسطس 2021 - 9:25 م بتوقيت القاهرة

يموج المشهد العراقى بأحداث وتفاعلات عديدة ما بين سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية ومواجهة تحديات داخلية سواء وباء كورونا وتداعياته، أو أوجه القصور فى عدد من المرافق العامة وفى مقدمتها الكهرباء والمياه، وفى الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية. ويتصدر الأحداث فى المشهد العراقى أمران؛ أولهما إجراء الانتخابات فى الموعد الذى تحدد لها وهو 10 أكتوبر 2021، وثانيهما جولة الحوار الاستراتيجى العراقى الأمريكى بشأن الاتفاق على جدول زمنى لانسحاب القوات القتالية الأمريكية من العراق بنهاية عام 2021. وكلا الأمرين أثارا حالة من التوافقات بين قوى وطوائف عراقية، واختلافات وتجاذبات من جانب طوائف عراقية أخرى.
•••
وفيما يتعلق بالانتخابات العراقية فإن قوى سياسية عراقية تؤيد إجراءها فى موعدها؛ ومن هذه القوى «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نورى المالكى على الرغم من أنه شخصيا لم يترشح فى الانتخابات إلا أنه يرى أهميتها لإعطاء الفرصة للشعب لاختيار من يمثلونه، وقد انتقد بشدة تصريحات لمبعوثة الأمم المتحدة للعراق والتى أبدت فيها عدم تأكدها من أن الانتخابات ستجرى فى موعدها. كما يؤيد «تحالف الفتح» إجراء الانتخابات فى موعدها دون تأجيل وأطلق زعيم التحالف هادى العامرى حملته الانتخابية ويتطلع إلى تحقيق فوز يتيح له المشاركة بفعالية فى تشكيل الحكومة القادمة. وتضمن برنامجه انسحاب القوات القتالية الأمريكية، ودعم القوات المسلحة والحشد الشعبى، ومعالجة مشكلة البطالة بتوفير فرص عمل والحد من العمالة الأجنبية، ومعالجة مشكلة المياه مع دول الجوار (تركيا)، ومشكلات القطاع الزراعى والصحة والكهرباء والتربية والتعليم. هذا إلى جانب عدة تحالفات وتيارات أخرى تتمسك بالموعد المحدد لإجراء الانتخابات.

وعلى الجانب الآخر يرى الناشطون لمقاطعة الانتخابات أن الهدف هو تأجيلها إلى موعد آخر فى ظروف أكثر أمنا، ويرون أن ذلك يفوت الفرصة على الفصائل المسلحة التى تسعى للاستحواذ على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، وأن هذه الفصائل تمارس عمليات إرهابية مكثفة ضد ممثليهم السياسيين من خلال الملاحقات والاختطاف والتصفية الجسدية، وهو ما أدى إلى حالة من الخوف لدى جمهور الناخبين والتأثير السلبى على مدى انخراطهم بحرية فى العملية الانتخابية. وقد نظمت تنسيقية الفصائل المسلحة عدة اجتماعات لبحث الأوضاع الانتخابية، وفرص التحالف مع آخرين، وطرق التخلص من المنافسين المستقلين الذين يجذبون ناخبين خارج الاستقطاب السياسى. وفى ظل هذه الظروف المتوترة والمحتقنة يتوقع المراقبون أن تكون نسبة مشاركة الناخبين فى التصويت أقرب إلى الانتخابات السابقة حيث لم تتجاوز 40% من إجمالى من لهم حق التصويت.

وكان لإعلان زعيم التيار الصدرى، مقتدى الصدر، الانضمام إلى مقاطعة الانتخابات وترك السباق الانتخابى فى لحظة حاسمة، أصداء واسعة؛ سواء لدى التحالفات الشيعية باعتبار أن التيار الصدرى له وزن كبير فى الانتخابات، ومن ثَم فإن انسحابه يغير عدة معادلات لدى القوى الشيعية، ويطرح تساؤلا حول ما إذا كان الانسحاب انسحابا بشخصه فقط وترك التيار الصدرى يشارك فى انتخاب مرشحين شيعة آخرين، أم أن الانسحاب للتيار كله؟ وبدأت مساعى لإقناع مقتدى الصدر بالعودة إلى السباق الانتخابى، حيث يرى بعض المحللين أنه يزيد من فرص فرض بعض شروطه على المشهد السياسى والعودة بأوراق أكثر قوة، من بينها كسب تعاطف الجماهير المحتجة، وتخفيف الضغوط على رئيس الوزراء، وتخفيف حدة حالة الاحتقان الشيعى ــ الشيعى لصالحه.

ومن أهم الأحزاب الأخرى التى أعلنت انسحابها من السباق الانتخابى هم؛ الحزب الشيوعى العراقى، وحركة المنبر العراقى بزعامة إياد علاوى، وجبهه الحوار الوطنى بزعامة صالح المطلك، والتجمع الجمهورى العراقى بزعامة سعد عاصم الجنابى، هذا إلى جانب عدة أحزاب وجماعات صغيرة وفردية.
وقد أعلنت مفوضية الانتخابات العراقية أن كل التحالفات والأحزاب التى أعلنت على وسائل الإعلام انسحابها من السباق الانتخابى، لم يتقدم أى منها بطلب رسمى إلى المفوضية لسحب ترشيحها رسميا، كما أن الجميع يعلمون أن باب الانسحاب من الترشيح قد أغلق منذ 20 يونيو 2021.
يرى المؤيدون لإجراء الانتخابات فى موعدها أنه لا يوجد مبرر لتأجيلها، حيث إن الانتخابات السابقة قد أجريت فى ظروف وأجواء مماثلة، كما أن رئيس الحكومة الانتقالية مصطفى الكاظمى قد أوفى بمعظم، إن لم يكن كل، ما وعد به عند توليه رئاسة الحكومة وهو ما يتلخص فى؛ إجراء انتخابات مبكرة، وهو ما تجرى كل الاستعدادات لها.. وتحديد جدول لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وهو ما جرى الاتفاق عليه مع واشنطن.. والكشف عن قتلة المتظاهرين، وهو ما يعلن عنه تدريجيا تجنبا للدخول فى مواجهة عنيفة مع الفصائل المسلحة.. والتعامل مع الأزمة الاقتصادية، وهو ما يسعى إليه رئيس الحكومة مع القوى الإقليمية والدولية وداخليا.. ومواجهة وباء كورونا فى إطار الإمكانات المتاحة والمساعدات الخارجية الممكنة.
•••
ويأتى موعد الحوار الاستراتيجى العراقى الأمريكى وسط معمعة الاستعداد للانتخابات بين مؤيد ومعارض لها. ويصبح الموضوع الرئيسى فى الحوار، وهو الاتفاق على جدول لانسحاب القوات المقاتلة الأمريكية من العراق، أحد أهم الموضوعات المطروحة على الساحة العراقية. ويلاحظ أنه بدلا من الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية، استخدم تعبير انسحاب القوات المقاتلة الأمريكية، وهو ما تم بحثه والاتفاق عليه خلال زيارة رئيس الوزراء العراقى والوفد المرافق له إلى واشنطون فى 24 يوليو 2021، وسبقها مباحثات وزير الخارجية العراقى فؤاد حسين مع نظيره الأمريكى أنتونى بلينكن. وتم الاتفاق على العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل حكومتى كل من رئيسى الوزراء السابقين نورى المالكى وحيدر العبادى، وهما اللذان طلبا قوات مقاتلة أمريكية لمحاربة داعش وخاصة فى عملية تحرير مدينة الموصل من سيطرتهم. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس بايدن على إلمام تام بالأوضاع فى العراق منذ أن كان نائبا للرئيس أوباما، كما سبق وزار العراق عدة مرات، وهو صاحب فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات (دولة شيعية ــ ودولة سنية ــ ودولة كردية).
وقد تم الاتفاق على سحب القوات الأمريكية المقاتلة من العراق مع نهاية العام الحالى 2021. ولكن السفير الأمريكى فى بغداد ماثيو تولر أوضح فى حديث له يوم 2 أغسطس 2021 أن تغيير مهمة القوات الأمريكية فى العراق لا يعنى مغادرتها كما تطالب به الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران، وأن البيان الختامى لمباحثات بايدن والكاظمى تضمن القيام بتغيير وإعادة تشكيل القوات الأمريكية فى العراق، وأن جزءا من هذه القوات سيبقى فى العراق لتقديم الدعم الاستخباراتى، وتدريب القوات العراقية، وتقديم المشورة لهم. وإن الوجود الأمريكى فى العراق لمواجهة داعش قانونى، وإن وضع الفصائل المسلحة الموالية لإيران يعد مشكلة، حيث يعتبر بعض جيران العراق أنه دولة ضعيفة، لذا يحاولون التدخل وفرض إرادتهم وأجنداتهم، خاصة الفصائل المسلحة التى لديها أجندات سياسية وخارجية طائفية، وإن هذا الأمر كله ليس خافيا على العراقيين.
وواضح من حديث السفير الأمريكى أن مسألة انسحاب القوات الأمريكية المقاتلة تمثل مخرجا لاستخدام كلمة انسحاب، بينما سيتم عمليا تغيير مسمى هذه القوات وبقائها سواء بنفس الأعداد أو أقل قليلا. وقد أوضح مسئول عراقى أن القوات الأمريكية لا توجد فى العراق فى قواعد مستقلة وإنما فى قواعد تخص القوات العراقية. وهذا بدوره يجعل مهاجمة الفصائل العراقية المسلحة للقوات الأمريكية أمرا يختلط فيه الأمر مع القوات العراقية وما يترتب على ذلك من تداعيات.
وقد تفاوتت ردود الأفعال العراقية تجاه اتفاق انسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من العراق ما بين أغلبية مؤيدة ترى فيه إنجازا لحكومة الكاظمى ووفاء بما وعدت به عند تشكيلها، كما أن الحكومة العراقية ذاتها ترى فى الاتفاق خطوة مهمة ومشجعة للإقبال على الانتخابات المبكرة القادمة التى تعتبر من وجهة نظرها إنجازا مهما وانتقالا إلى مرحلة جديدة تعبر عن إرادة الشعب العراقى.
وقد تفاوت موقف الفصائل المسلحة العراقية ما بين قطاع منها لم يبد رأيه حتى الآن بشأن الاتفاق على انسحاب القوات الأمريكية المقاتلة انتظارا لما يسفر عنه بدء التنفيذ العملى للاتفاق، بينما أيدت فصائل أخرى الاتفاق ورأت فيه خطوة مهمة تنهى وجود قوات مقاتلة أمريكية على الأراضى العراقية وهو مطلب شعبى عام. واتخذت فصائل أخرى موقفا متشددا واعتبرت أن الاتفاق ينطوى على خدعة بالتحدث عن ما أسموه قوات مقاتلة مع بقاء قوات أمريكية بدعوى تدريب ومشورة القوات العراقية والتعاون الاستخباراتى معها، وهذا من وجهة نظر هذه الفصائل لا يغير من حقيقة استمرار وجود القوات الأمريكية على الأراضى العراقية، ومن ثم فإن هذه الفصائل قررت استمرار المواجهة والعمل ضد هذه القوات إلى أن ترحل عن الأراضى العراقية. وهذه الفصائل موالية لإيران وهذا يؤدى إلى تساؤل حول مدى تأثير حدوث تقدم فى مفاوضات عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النوى مع إيران على موقف هذه الفصائل من ناحية وأعداد وطبيعة القوات الأمريكية التى ستبقى فى العراق من ناحية أخرى.
•••
وإلى جانب الموضوعات العسكرية بين البلدين أعربت واشنطون عن تأييدها القوى لإجراء الانتخابات العراقية فى موعدها، وتقديم الدعم فى مسألة الطاقة وخاصة الكهرباء، والمجال الصحى لمكافحة وباء كورونا، والتعليم والثقافة، هذا إلى جانب تقديم 155 مليون دولار أمريكى زيادة للمساعدات الإنسانية للعراقيين فى عدة صور غذائية طارئة، وخدمات المياه، والنازحين بسبب داعش.
والحقيقة أن الولايات المتحدة وإن كانت سمحت أو اضطرت بحكم الأمر الواقع أن يكون لإيران وجود قوى فى العراق، فإنها من الواضح أنها لن تنسحب وتترك العراق كلية سواء لإيران أو غيرها، وما ينتظر من فرص واعدة فى مرحلة الاستقرار وإعادة الإعمار الضخمة فى جميع المجالات فى العراق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved