المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.. إلى أين؟

ناصيف حتى
ناصيف حتى

آخر تحديث: الإثنين 10 أغسطس 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

بعد الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية فى روما برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، وقبل الإعلان عن موعد الجولة الثامنة التى يقال إنها قد تعقد فى مطلع الشهر القادم، الأمر الذى يدل على حجم التحديات أو العوائق الفعلية التى تضعها إسرائيل على طاولة المفاوضات، يمكن إدراج الملاحظات التالية: استمرار إسرائيل فى سياسة «التفاوض بالنار» على الأرض الهادف إلى خلق واقع جديد، بغية فرض شروطها وأولوياتها على «التفاوض حول الطاولة». يشهد على ذلك التصعيد العسكرى الإسرائيلى فى الجغرافيا (وصل إلى البقاع الغربى) وفى القوة والكثافة النارية. تصعيد لم يتوقف بل صار مواكبا للمفاوضات،لا يعنى ذلك بالطبع أن إسرائيل قادرة فى نهاية المطاف أن تفرض أولوياتها ومقاربتها للمسار التفاوضى ولكنها تهدد هذا المسار بشكل كبير وخطير.


ولا بد من التذكير أن التفاوض ليس غاية فى حد ذاته بل وسيلة دبلوماسية وواقعية، ولو دونها الكثير من التحديات والصعاب، لوقف العدوان وتحرير الأرض الوطنية بشكل كامل وإنهاء الحرب.


استراتيجية التفاوض الإسرائيلية تقوم على سياسة تجريف الأرض وإشعال النار فى الأحراج والأراضى الزراعيةً والتدمير الممنهج لقرى ومناطق سكنية بحيث يصبح من الصعب عودة الحياة إليها فيما لو توقفت الأعمال العسكرية الإسرائيلية غدا، والغد تحدده إسرائيل حسب هذه السياسة. والجدير بالذكر أن إسرائيل تعمل على تعزيز ما يسمى بالحزام الأمنى أو المنطقة الأمنة فى الأراضى اللبنانية تحت سيطرتها الكلية وضمن إطار زمنى مفتوح تقرره وحدها كما يذكر مسئولوها كل يوم.


ويبدو أن استراتيجية التفاوض الإسرائيلية على «الطاولة الدبلوماسية» تهدف إلى تقطيع الوقت ضمن منطق التفاوض للتفاوض. إسرائيل تبدى الاستعداد لتناول بعض العناوين والبقاء بعيدا عن المضامين لمواضيع أكثر من أساسية فى المفاوضات مثل الحدود (التأكيد اللبنانى على تثبيت وليس ترسيم الحدود كما نذكر دائما إذ إن حدودنا الجنوبية معترف بها دوليا وهى الحدود اللبنانية الفلسطينية التى رسمت فى العام ١٩٢٣).


إن منطق التفاوض للتفاوض حول الطاولة الذى يمثل مقاربة إسرائيل الفعلية للمفاوضات يشكل سمة ناظمة للمفاوض الإسرائيلى. يزيد من حدة ذلك التصعيد السياسى الذى يواكب التصعيد على الأرض كلما اقترب موعد الانتخابات النيابية فى نهاية أكتوبر القادم. نتنياهو وحلفاؤه وخصومه يخوضون كلهم حروبهم السياسية الانتخابية فى «مسارح» ثلاث هى غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان. وفى هذا السياق لا بد من التذكير بأن الرئيس جوزيف عون، فى كلمته فى عشاء السفارة اللبنانية فى واشنطن فى ٢٢ يوليو، قدم مقاربة «لمسألة السلاح» تقوم على الواقعية والتدريجية والشمولية، آخذا بعين الاعتبار تجارب مشابهة للحالة اللبنانية (الجيش الجمهورى الأيرلندى والقوات المسلحة الثورية فى كولومبيا): مقاربة هى بمثابة خريطة طريق لتنفيذ قرار حصرية السلاح فى يد الدولة اللبنانية وكذلك بالطبع قرار الحرب والسلم. وقد ذكر بأن تلك المقاربة لا تجعل الهدف أقل إلحاحا بل تجعل الأسلوب أكثر أهمية. الأسلوب الذى يساعد بقوة على عودة الدولة إلى دورها الطبيعى والكلى فى كل ما يتعلق بقضايا الأمن الوطنى وعلى كافة التراب اللبنانى.


إن المطلوب اليوم لإنقاذ المفاوضات من التباطؤ أو التعثر أو احتمال الفشل كما يصفها كل طرف حسب موقعه أو رويته يكمن فى توفير الدعم الفعلى بجميع أشكاله من الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة وفى طليعتها دون شك وبشكل خاص الطرف الأمريكى الذى هو راعى ومهندس المفاوضات. هذا الدعم يكون من خلال الدفع الفعلى لتحقيق المطالب اللبنانية الأكثر من أساسية لمسار تفاوضى فاعل وفعال، وهى تثبيت وقف إطلاق النار وليس التفاوض تحت النيران الإسرائيلية ووقف عمليات التدمير والتجريف الممنهج التى تهدف إلى تغيير الوضع كليا فى الجنوب، غداة انتهاء الحرب الإسرائيلية متى انتهت، وكذلك وضع جدول زمنى واضح للانسحاب وانتشار وسيطرة الجيش اللبنانى كليا على المنطقة الممتدة من جنوب الليطانى، إلى الحدود الدولية للبنان مع تثبيت هذه الحدود كما أشرنا وتفعيل اتفاقية الهدنة مع تطويرها إذا اقتضى الأمر.


إن استقرار لبنان عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلى فى «الجبهة الجنوبية» وبسط سيطرة الدولة اللبنانية كليا على أراضيها أمر أكثر من ضرورى لإطلاق مسار «العودة إلى الدولة»: الشرط الأكثر من ضرورى للإنماء الوطنى الشامل المتعدد والمترابط الأبعاد، وكذلك أمر ضرورى للإسهام فى استقرار إقليم شرق أوسطى يعيش تمخضات ونزاعات وحروب بأشكال وعناوين متعددة تؤثر بعضها بالبعض الآخر بأشكال ودرجات مختلفة.

 

وزير خارجية لبنان الأسبق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved