وشوش
رباب نبهان
آخر تحديث:
الإثنين 10 أغسطس 2026 - 6:49 م
بتوقيت القاهرة
علت أصوات الطبول، كما لو كانت تؤذن بوصول أحد أمراء المماليك حاملًا كتابًا مختومًا إلى بلاط الحاكم.
وانتقلت العيون من الرِّقاق والطبول إلى وجه شاب أسمر، يخطف الأبصار ويسرق الأذهان إلى مكان أكثر ارتفاعًا من طوله اليافع، وهو يتحسس بأطراف يده مواضع جسده، الذى بدا وكأنه مغطى بزيت غزير، يضوى تحت أشعة الشمس التى لوّحت أيضًا خصلات شعره الطويلة، فزادتها ذهبية وجاذبية.
يستعد ويبدأ، وفى لمح البصر يخترق أسطوانة حديدية تلتف حولها ألسنة اللهب، فيعبر من خلالها بكل ثقة وثبات، ويقف فى مستقره فى الناحية الأخرى، فتنطلق وراءه الصيحات والتصفيق، الذى بدا كما لو أن مسًّا محمومًا من ألسنة النار قد مسّ الناس أيضًا، فزادت كفوفهم اشتعالًا.
• • •
وأنا بينهم، أحاول أن أتمسك بما اتخذت من مكان، لم يكن يكفى سوى موضع قدم واحدة، فأعلّق الأخرى فى الهواء تارة، وأريحها فوق الثانية تارات، وأهتف باسمه بصوت خجول خفيض، لا يسمعه أحد سواى، وإن كان يقينى أنه قد يسمعه:
«حسن.. حسن».
• • •
كثير من الحلقات البشرية تلتف حوله؛ قد جاءوا حتمًا من أجله، وربما جاء قليل منهم من أجل أفراد فرقته. هم على موعد معنا كل عام؛ نعرف أنهم قد جاءوا حين تخبرنا نسمات الصيف وموج البحر، الذى يتخذون من قربه موطنًا، فنذهب بلا حجز أو ترتيبات، فقط نذهب، ونحن على يقين أنهم قد وفوا بوعدهم حين غادروا العام الماضى وتركوا لنا أبخات وهدايا وذكريات.
• • •
سمعنى حسن، بادلنى النظرات، وميّز صوتى -هكذا أخبرت نفسى- وازداد حماسًا بعد أن رآنى، فانطلق قبل أن تقرع الطبول، وعاد إلى لعبته. ولا أعلم ما الذى بينه وبين النار التى لا تمسه بأذى، بل تزيد من وجهه وهجا ومن شعره نضجًا وحلاوة.
• • •
وهنا بدأت أتعلم أن الوقت هو الشخص الذى يريد أن ينغّص عليك الحياة دومًا؛ إن رآك حزينًا، فرد قلوعه واستقر، ولم يتحرك له عقرب، وإن رآك سعيدًا، لملم حاجته وهمّ بالرحيل مسرعًا، كما كان يلمّ أفراد عائلة حسن أشياءهم وعدتهم، وينهون العرض ويغادرون.
لاحقتهم بنظراتى، وكدت أن أتبعهم بخطواتى، لولا أن سمعت أحدهم يسأل عن الساعة، فعلمت أننى صرت على موعد مع علقة ساخنة من أمى، التى من المؤكد أنها تقف الآن فى شرفة منزلنا، يتدلى نصفها إلى الخارج، ويحاول النصف الآخر أن يتشبث بأرضية الشرفة، وهى تسأل الرايح والجاى:
«ما شفتش المزغودة الصغيرة اللى جت الدنيا بعد ما كان نفد صبرى؟».
• • •
وفى المساء...
سرقت أحمر الشفاه الخاص بأمى ووضعته على خدى الأيسر حتى يتساوى الخدان، فلم تستطع صديقتى أن تتبين سوى أننى أضع مكياجًا، ونبهتنى إلى أن تلك الفعلة سوف يصحبها علقة، لكنها لم تكن تعلم أن النصيحة قد جاءت متأخرة، وإن كنت قد شعرت بقليل من الإحراج أمام عرائسى، اللاتى يعرفن أننى أكذب؛ فكما يحضرن جلساتى مع أصدقائى، يحضرن أيضًا علقات أمى الساخنة حين أشبعها قلقًا ولا أبالى.
• • •
أمضيت ليلتى وأنا أفكر فى خطة للهروب من المنزل وملاحقة حسن حتى أقابله وأقنعه بنفسى، وأن لدى من المواهب ما يؤهلنى لأن أنضم إليهم، وربما أحتاج فقط إلى بعض التدريب والتعلم، ولن يكون هذا بعسير.
إنها الحياة التى أحلم أن أعيشها، بدلًا من السنوات التى أضعتها فى تعلم الكتابة والحديث الذى لا ينفذ إلى أذن أحد. فما حال النفاذ عبر النيران؟ وما أجمل أن أترك تلك الجدران الثابتة التى أحيا فى حدودها، وحدودًا أكبر منها وضعتها أمى؛ كلما قلقت زادت من ارتفاعها. وأرحل معهم من مدينة إلى مدينة، وأركب البحر الذى أهوى، ولن أخاف أن أرسو بشط لا أعرفه، طالما سيكون معى حسن.
وبعد أن ضاق صدر أمى بتوسلات صديقتى المتكررة وزَنِّها المزعج، اضطرت أن توافق على خروجى، بشرط أن تكون رجلها على رجلى، فأخذت جميع أرجلنا وذهبت إلى هناك، ولكن يبدو أننا وصلنا مبكرًا.
فلم يكن السيرك قد نُصب بعد. لكننا، دون أن يدرى أحد، تسللنا بالقرب من زاوية الخيمة، فأصبحت الرؤية أنقى وأصفى.
• • •
رأيت ولدًا يلقى بجسده إلى حائط ضعيف، بالكاد يسنده، وكلما حاول أن ينهض خانه جسده، فبدا خاملا خامدًا، بل خافتًا أيضًا. فقد لونه البرونزى، وحتى شعره الذهبى كان قد صار رماديًا، متلبكًا، ملتصقًا بالعرق والدخان. يمسك بيده بعضًا من صبغة اليود والميركوروكروم، ويمررها على جروح جسده التى بدت غائرة، لا يبدو عليها أى أمل للشفاء، فكلما ضمّد جرحًا اشتعل الآخر من جديد.
وعلى مقربة من حسن، كانت تجلس أمه، وقد افترشت الأرض بكثير من الأكياس الورقية الصغيرة جدًا، تضع فى كل منها أشياء عدة، ثم تطويها بعناية وتضعها إلى جوارها.
• • •
همست لى صديقتى:
ما هذا الذى تضعه تلك المرأة بداخل كل كيس؟
أجبتها:
«إنها تكتب الحظوظ والأبخات والأقدار، وتضعها ملفوفة فى كيس بنى وتبيعها عقب انتهاء العرض، ونحن نتهافت عليها ونشتريها كل يوم».
ولماذا تشترونها كل يوم؟
«لم أكن أعلم أن أم حسن هى من تكتب الأبخات. كنت أظنها تأتى معهم من البحر».
وقبل أن ترد صديقتى على سذاجتى، بدأ أفراد الفرقة يتحركون بسرعة أكبر، وهمّوا بالاستعداد للعرض.
وحينها هممت أن أغادر.
سألتنى صديقتى: «ألن نشاهد العرض»؟
قلت: «لا، لقد تأخرت على أمى».