ارتباك سلاسل الإمداد الصاروخى
بشير عبد الفتاح
آخر تحديث:
الإثنين 10 أغسطس 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
أطلقت حرب أوكرانيا، ومن بعدها إيران، إشارات التحذير داخل الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسى، من مغبة تعاظم هشاشة سلاسل الإمداد العسكرى الصاروخية. حيث تحدثت تقارير إعلامية وتقييمات استخباراتية غربية عن استنفاد الجيش الأمريكى جل مخزونه من الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة، من طرازات «أتاكمز»، و«بريزم»، و«توماهوك»؛ علاوة على منظومات الصواريخ الاعتراضية، على شاكلة «باتريوت» و«ثاد»؛ خلال هجماته المتتالية، منذ يونيو 2025، ضد إيران. وذلك بمعدلات تفوق قدرة الصناعات الدفاعية الأمريكية ــ التى تحولت نسبيًا عن الدفاع، ولم تعد تعمل بكامل طاقتها، بجريرة أجواء الاسترخاء العسكرى الناجمة عن غياب التهديدات الاستراتيجية الملحة منذ أفول الحرب الباردة ــ على تعويضها فى زمن قياسى.
قَدَّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية استنفاد حوالى 65% من منظومات «باتريوت» الصاروخية الاعتراضية، خلال الفترة ما بين فبراير ويوليو الماضِيَيْن، مع بقاء أقل من 850 صاروخًا فى المخازن، بانخفاض مقداره 2330 صاروخًا عن مرحلة ما قبل اندلاع حرب إيران. فضلًا عن انقضاء نحو نصف المخزون الأولى من صواريخ «ثاد» و«بريزم»؛ ونحو ثلث مخزونات «توماهوك» و«جاسام»، وعدد من صواريخ الدفاع البحرى. ومع ذلك، يتوقع المركز أن يكفى المتبقى لمواصلة الحرب ضد إيران. لكنه يستشعر الخطر الأكبر لجهة جهوزية واشنطن لتزويد أوكرانيا وحلفاء آخرين بمثل هذه الصواريخ والمنظومات الدفاعية. خصوصًا بعدما أعرب مسئولون بمنطقة الشرق الأوسط عن قلقهم من أن يؤثر نقص أنظمة الدفاع الجوى الأمريكية المتطورة فى قدرتهم على صدّ أى رد انتقامى إيرانى محتمل؛ إذا ما قرر ترامب معاودة التصعيد واستهداف البنى التحتية الاقتصادية واللوجستية الإيرانية. ناهيك عن قدرة الولايات المتحدة على خوض مواجهات متزامنة مع الصين، أو روسيا، أو كوريا الشمالية. ففى مسعى منه لمعالجة هذا الخلل الاستراتيجى، يعمل البنتاجون على إعداد استراتيجية نووية جديدة تهدف إلى منح الرئيس ترامب مزيدًا من الخيارات الواقعية والأكثر موثوقية، عبر استخدام أسلحة نووية تكتيكية حال نشوب صراع محتمل مع الصين أو روسيا، بما يمكن أن يعزز قدرة الردع الأمريكية فى مواجهة خصمين نوويين مكافئين.
لم يفجع عجز الذخائر ــ الصواريخ الدقيقة وأنظمة الدفاع الصاروخى ــ الولايات المتحدة وحدها، وإنما بات يقض مضاجع جيش الاحتلال الإسرائيلى. فقد أعرب قائد بحريته السابق، إليعازر ماروم، عن قلقه البالغ جراء نقص الصواريخ الاعتراضية. ففى مقابلة مع إذاعة «103»، نشرتها صحيفة «جيروزاليم بوست» العبرية، أكد انحسار مخزونات صواريخ «آرو» بعيدة المدى، فى ظل محدودية القدرة الإنتاجية الكفيلة بتعويض ذلك الانحسار فى زمن قياسى لمواكبة الطلب المتنامى. الأمر الذى اضطر جيش الاحتلال إلى تنفيذ جزء كبير جدًا من عمليات الاعتراض بواسطة أنظمة «ثاد»” وصواريخ «إس إم ــ 3»، التى تُطلق من سفن تابعة للبحرية الأمريكية. لكنه حذر من تعقيد الموقف فى حالة توسيع جيش الاحتلال عدوانه على جبهات أخرى بموازاة إيران. وتجدر الإشارة إلى أن تعاظم الطلب على الصواريخ الدقيقة يتصل كذلك بخصوصية المواجهات بين إيران وكل من واشنطن وتل أبيب؛ حيث يسود نمط الحرب عن بعد، وليس الحرب البرية، بسبب التباعد الجيوسياسى بين الأطراف المتصارعة، ما يجعل من الضربات الجوية، الصاروخية والمسَيَّراتية، سلاحًا رئيسيًا فى المواجهات.
تتجلى خطورة تراجع مخزونات الصواريخ الموجهة، ومنظومات الاعتراض الصاروخية، إلى 20% فقط من الحد الأدنى الذى يتعين على البنتاجون الاحتفاظ به؛ فى كونه يكبل التحرك العسكرى الأمريكى على مستويين. ينصرف أولهما إلى اعتبار مثل هذه المنظومات الصاروخية الخيار الأول لمواجهة أى تهديدات صاروخية متزايدة؛ حيث يشكل الاعتماد المكثف عليها ركنًا ركينًا لمساعى تقليص المخاطر على القوات الأمريكية، عبر تجنب استخدام الطائرات المأهولة فى تنفيذ الضربات ضد الأهداف الإيرانية، بما يزيد فرص سلامة الطيارين والطائرات. إذ تتيح تلك الذخائر والمقذوفات بعيدة المدى شن ضربات دقيقة ضد أهداف حيوية نوعية من مسافات آمنة. أما ثانيهما، فيتعلق بإرباك جهوزية الجيش الأمريكى لخوض حروب متزامنة على جبهات متعددة. كمثل توفير خيارات متنوعة حيال إيران، إن بخصوص مواصلة الهجمات بكثافة عليها، أو توسيع العمليات ضدها؛ من دون الحاجة إلى المخاطرة بعمليات إبرار جوي، أو إنزال بري، أو نشر قوات أمريكية على الأرض. فضلًا عن الإضرار بقدرة الولايات المتحدة على استخدام تلك الصواريخ والمنظومات الدفاعية أثناء خوض مواجهات متزامنة، محتملة ومفاجئة مع الصين، أو روسيا، أو كوريا الشمالية. هذا ناهيك عن تقويض قدرة واشنطن على تزويد أوكرانيا أو أى حلفاء آخرين باحتياجاتهم من تلك المنظومات التسليحية الضرورية. وهكذا، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الموازنة بين تلبية مستلزمات تنفيذ استراتيجيتها للأمن القومي، واحتياجات أوكرانيا وباقى حلفائها فى أوروبا وآسيا، ومتطلبات أمن دول مجلس التعاون الخليجى.
لا يكمن التحدى الأكبر أمام الجيوش مستقبلًا فى امتلاك ذخائر ذكية، أو مقذوفات دقيقة التوجيه، أو أنظمة دفاع جوى متعددة الطبقات فحسب؛ بقدر ما يتمثل فى حيازة القدرة الصناعية التى تكفل تأمين سلاسل الإمداد العسكرى، عبر ضمان استمرارية التزود بالصواريخ الاعتراضية، وتوفر مخزون مستدام من تلك المقذوفات والذخائر. وذلك من خلال تسخير القدرات الذاتية لتعويض ما يتم استهلاكه فى ميادين القتال من منظومات تسليحية حيوية، بوتيرة أسرع من الخصوم. خصوصًا بعدما غدت الحروب الطويلة اختبارًا للصناعة العسكرية بقدر ما تشكل اختبارًا للجيوش؛ حيث تبقى أى منظومة دفاعية، مهما بلغت كفاءتها، أقل فاعلية ما لم يتم تأمين الذخيرة الكافية لتشغيلها بغير توقف. وما تحقيق تلك المعادلة بالأمر الهين؛ فبموازاة الحاجة إلى التفوق التقنى، برأسه يطل التحدى الاقتصادى، إذ تتخطى تكلفة البطارية الواحدة من منظومات الدفاع الصاروخى «باتريوت» أو «ثاد» المليار دولار. بينما تتراوح كلفة الصاروخ الاعتراضى الواحد ما بين أربعة وخمسة ملايين دولار. وهو ما يجعل أى مواجهة عسكرية طويلة الأمد مسوغًا كافيًا لاستنزاف الموارد المالية والعسكرية فى آن. ففى هكذا سياقات، لا تقتصر المعضلة على تنامى وتسارع وتيرة الطلب فحسب، بل تشمل أيضًا محدودية الطاقة الإنتاجية؛ حيث يتطلب إنتاج الصواريخ الاعتراضية بناء سلاسل توريد معقدة، ومكونات إلكترونية عالية الدقة. الأمر الذى يطيل أمد عملية التصنيع سنين عددًا؛ إذ تستغرق دورة التعاقد، والتصنيع، والتسليم عادة ما بين عامين وأربعة أعوام. ولهذا هرعت واشنطن إلى توقيع عقود ضخمة مع شركات إنتاج الأسلحة، كمثل «لوكهيد مارتن» وغيرها، لزيادة إنتاج منظومات «باتريوت». فيما طلب «البنتاجون» من الكونجرس اعتمادات مالية قدرها 67.1 مليار دولار، لزيادة الطاقة الإنتاجية للصناعات الدفاعية، خُصص منها 18 مليارًا لإعادة ملء مخزونات الذخائر والمقذوفات الاستراتيجية. كما يبحث خيارات مبتكرة، كمثل انخراط الشركات المدنية فى الإنتاج الدفاعى؛ إضافة إلى تدشين خطوط إنتاج إضافية فى أوروبا وأوكرانيا.
يمكن فهم تفانى الرئيس ترامب فى إنكار سردية عجز الذخائر وأنظمة الاعتراض الصاروخى بوصفه محاولة لتعزيز موثوقية قوة الردع الأمريكية، ودعم استراتيجية واشنطن التفاوضية، فى ذروة ماراثون تفاوضى تتعامل معه طهران باعتباره امتدادًا للحرب بوسائل أخرى؛ حيث تتعمد استنزاف القدرات الصاروخية الأمريكية المتطورة باهظة الثمن من خلال استخدام مسَيَّرات ومقذوفات إيرانية الصنع ومنخفضة التكلفة، مع إطالة أمد المواجهات، وتوسيع نطاقها ليطال أطرافًا شتى، ويشمل القواعد الأمريكية، والبنى التحتية الاقتصادية والطاقية لدول المنطقة، إضافة إلى المضائق، والموانئ، والممرات الملاحية؛ بما يفاقم كلفة استمرار الهجمات الأمريكية من مختلف الأوجُه، كما يحلق بأعباء إدارة الأزمة المستفحلة فى آفاق أبعد من كلفة تسويتها، ولو عبر استرضاء الإيرانيين.
تجنح روايات لاعتبار انكماش المخزونات الأمريكية من الذخائر والأنظمة الصاروخية الاستراتيجية أحد أبرز دوافع ترامب لإعادة تقييم خياراته بشأن التصعيد ضد إيران، والذى حمله على التراجع عن توجيه ضربة وصفَتْها بالأعنف منذ الحرب الكونية الثانية. كما تشير إلى دعوة رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، فى جلسات خاصة مع كبار مستشارى البيت الأبيض، إلى إيجاد مخرج من الحرب مع إيران، يُتيح لترامب ادعاء «نصر نمطى/ رمزِى»، يمكن تسويقه لدى الأمريكيين، وإن اقتصر على اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز.