حدُّ الخصوصية.. مُحمَّد مِن البنك

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 10 سبتمبر 2021 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

طرق بابَ المَكتَب وأنا مُنكبَّة على الحاسوب أكتب مقالة. مُحمَّد مِن البنك. عرَّف نفسَه ولا يزال واقفًا بالباب ثم استدرك مع حملقتي فيه: هل جئت في وقتٍ مناسب؟.. ردَدت دون تفكير: لا. تراجع خطوةً مُعتذرًا بلباقة، ثم انصرف مُغلقًا البابَ وراءه وتركني أفكر.
***
لُمت نفسيَ في البداية على صدّه. هو شابٌ صغير السّن ربما في منتصف العشرينيات، عمله أن يدورَ بين المؤسسات والمصالح والشركات، سعيًا للحصول على زبون. يصدُّه مثلي بالتأكيد عشراتٌ وربما مئات، لكن هناك مَن يدعونه للبوْحِ بما يحمل مِن عروضٍ، ويسألونه مزيدًا من المعلوماتِ، ثم يعِدونه بدراسة الأمر وهُم في حقيقتِه لا ينتوون الاستطراد. قليلون في اعتقادي مَن يستمعون بجديةٍ قاصدين التقييم، ويحتفظون بنوايا مُحايدة لا تحمل قرارًا مُسبقًا أو حكمًا نافذًا؛ قد يُعجبهم الكلامُ فيقبلون به ويتوغَّلون، وقد يجِدون فيه خُدعةً تقليديةً فيرفضونه مُنسحبين.
***
الحقُّ أن رديَ المُباغِت على مندوبِ البنكِ، لم يكُن وليدَ خبرةٍ شبيهةٍ لا أحب أن أعيدها، بل هو انزعاجي مِن مُستويات اقتحامِ الخُصوصيةِ التي تنامت بلا ضابطٍ ولا رابطٍ في الآونةِ الأخيرة، ولا تزال تتفرع منها وسائلٌ وطرقٌ لا تقفُ عند حدود. لم أتمكَّن من التكيُّف مع الهجماتِ المُتكررةِ، ولا يحركني تجاه القائمين بها فضولٌ؛ فكثيرهم مُجبَر بحكم طبيعةِ عملِه على إثارةِ استياءِ الآخرين، وكثيرهم لا يرضيه ما يفعل؛ لكنه لا يجد سبيلًا لكسبِ الرزقِ سواه.
***
ثمَّة أمكنةٌ على درجةٍ مِن الخصوصيةِ، تم اقتحامُها منذ زمنٍ بعيد؛ المباني السكنية مثلها مثل السياراتِ الخاصةِ، صارت عرضةً لأن يلقي فيها الصبيُّ أو الشابُ بورقةٍ تحمل إعلانًا ما؛ مُنتج مُمتاز للتنظيف، مَطعم أو مَقهى جديد، قائمة مأكولات تثير الشهيةَ، وأسواق تجارية تفتح أبوابَها بخصوماتٍ عظيمة، وأرقام قصيرة ساخنة لتوصيل الطلبات بعضها مجاني.
***
إلى جانب البيوت والسيارات؛ أصبح اقتحام مقرات العمل، والتسلل إلى الهواتف الأرضية؛ سلوكًا مُباحًا وطبيعيًا، إنما تقوده شرائح تختلف عن سابقاتها؛ يقدم بعضها خدماته الفائقة للعميل وبعضها الآخر يحفزه على المنح والعطاء. على سبيل المثال، تعرض البنوكُ إمكانيةَ امتلاكِ أراضٍ خالية، شققٍ سكنيةٍ فاخرة، ووحداتٍ في مُنتجعات سياحية حُبلى بأسبابِ الرفاهية، كما تُروّج لقروضٍ تُسوَّى على مَهل، وتسهيلاتٍ عقارية توصَف بأنها رائعة، فضلًا عن فُرصٍ مُغرية للاستثمار والتأمينِ على الحياةِ في آن. أما عن الجهاتِ التي تطلب مِن المواطنين المساعدة؛ فتعرض صيغًا متباينة كي لا يفلت منها عَميل مُحتمَل. قد يكون التبرع عينيًا وقد يوضع في حسابٍ خاص، كما تُقبَل النقود السائلة، ولا بأس من رسالةٍ نصّية أو صَكّ. لا يستحي الطالبُ الاتصالَ مرةً واثنتين وعشر، ولا يكترث في العادةِ بوقتِ عملٍ أو ساعةٍ مُتأخرةٍ من الليل، بل يَخرِق كلَّ مساحةٍ زمنية يخلو فيها المرءُ إلى نفسه، فيقوض أركانَ سلامه على مدار اليومِ بغير خجلٍ أو ندم.
***
اقتحامُ الحدود الذي كان، وكنا منه نشكو ونمتعض في عقود مضت، تطورت تقنياتُه وباتت من شطوطِ الخيالِ وجموحه؛ على مسافةِ شبر. لا ينتظر صاحبُ خدمة أن يأتيه المُستهلِك مَدفوعًا بالإعلان؛ إنما يطارده كما الكواسر الجائعة إذ تتعقَّب صيدَها. إن هجَّ المرءُ مِن مكانه؛ فبريده الإلكترونيّ يفي بالغرض، فإن كفَّ عن مُتابعته؛ كانت صفحتُه الشخصية على موقع تواصُل اجتماعيّ منفذًا مناسبًا، فإن تعذر هذا وذاك؛ فإعلانات مُوجَّهة ومُطاردة دؤوبة للهاتف الجوال.
***
تبخرت الخصوصيةُ في عالمٍ سالت أخباره ومعلوماتُه وتدانت أركانُه، لكنها تجد في سياقِ آخر من يستدعيها مِن رقادها ويُعيد بناءَ حدودِها ويُعلي أسوارَها في غير محلها. ثمَّة وقائع أظنها مُتكررةً مألوفة؛ تفصِل متى يكون التدخلُ تطفلًا ومتى يكون ضرورة؟ اعتداء على طفلٍ أو طرفٍ ضعيف في بيت بابه مغلق، وفي وجود جار يسمع ويدرك، أمر يستوجِب التدخُّل بما أتيح من سبل، فهالة الخصوصية لا ينبغي أن تحمي الإيذاء، والتذرع بها في بعض الأحوال؛ دفاع يرقى إلى مرتبة التواطؤ.
***
للخصوصية ضوابطٌ وتعريفات، لكنّا درجنا على انتقاءِ ما يتفق مع مُيولنا ورغباتنا، ومع ثقافتِنا واستعدادِنا الشخصيِّ لتحمُّل التبعات؛ ثمَّة ما نتجاوز عنه مُضطرِّين وما ننحني له خاضعين، وما نقف أمامه فيما الوقوف مُجرَّد مِن الدواعي والأسباب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved