العيش بالدَّين.. تأملات فى تزامن التمويل الاستهلاكى واقتراض الحكومات
شروق الحريري
آخر تحديث:
الخميس 10 سبتمبر 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
قبل أسابيع قليلة من موعد زفافها، تحولت قصة فتاة من الإسماعيلية إلى موضوع واسع للنقاش على مواقع التواصل الاجتماعى، بعد تداول روايات من أقاربها تربط وفاتها بتراكم الديون والأقساط وعجزها عن الوفاء بالتزاماتها المالية. وبينما لا تزال ملابسات الواقعة محل تحقيق، فقد أعادت الحادثة إلى الواجهة سؤالًا يتكرر بصور مختلفة كيف أصبحت الديون والتقسيط جزءًا متزايد الحضور فى الحياة اليومية؟
لا يتعلق الأمر بحالة فردية أو قصة استثنائية فحسب. ففى السنوات الأخيرة، بات الحديث عن الأقساط والقروض الاستهلاكية حاضرًا فى تفاصيل الحياة العادية لكثير من الأسر، حيث لم يعد الأمر مرتبطا بالرفاهية أو المشتريات الكبرى كما كان من قبل، بل صار وسيلة تلجأ إليها كثير من الأسر لتدبير احتياجاتها الأساسية. حيث ارتفعت أسعار السلع والخدمات وفقا للمركزى المصرى، ففى عام 2023 سجلت نسبة التغير فى أسعار السلع نحو 21.73% فى حين سجلت أسعار الفاكهة تغيرا بنسبة 78.72%، والتضخم نحو 33.90%.
وفى 2025 بلغ التضخم نحو 12.30% بنسبة تغير فى أسعار السلع والخدمات نحو 16.20%، ونسبة تغير فى أسعار الخضراوات والفاكهة بنسبة 4.400%. وفى مايو 2026 بلغ التضخم نحو 14.60% فى حين مثلت التغيرات فى أسعار السلع والخدمات نحو 14.20%، والتغيرات فى أسعار الفاكهة والخضروات نحو 25.80%. وبناء على هذه البيانات بلغ متوسط معدل التضخم من عام 2023 لعام 2026 نحو 16.2%، بما يعكس استمرار الضغوط السعرية على السلع والخدمات الأساسية. كما أشار تقرير focus economic إلى ارتفاع تكاليف المعيشة فى مصر فى الفترة من 2015 حتى الآن بنسبة 310%.
وتواكبت هذه التغيرات الاقتصادية مع زيادة الاعتماد على التمويل الاستهلاكى حيث ارتفع حجم التمويل الاستهلاكى وفقا الهيئة العامة للرقابة المالية، ففى عام 2023 بلغ حجم التمويل نحو 47.3 مليار جنيه، وفى عام 2024 بلغ نحو 61.3 مليار جنيه، وفى عام 2025 بلغ نحو 1.4 تريليون جنيه. أى ارتفع بنسبة زيادة حوالى 2860% خلال الفترة من 2023 إلى 2026. وفى ظل هذه الظروف لم تتواكب التغيرات فى الأجور فى مصر لتسطيع سد احتياجات الأفراد حيث بلغ الحد الأدنى للأجور فى عام 2023 نحو 2300 جنية (77 دولار) بينما قبل يوليو 2026 نحو 7000 جنية مصرى (141 دولار)، أى ارتفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 90%. كما ارتفع الى 8000 ابتداء من يوليو الماضى للعاملين فى القطاع الحكومى، ولا يعنى هذا تحسنا فى القوة الشرائية للمواطنين بسبب ارتفاع الأسعار والتضخم.
•••
هنا ظهر التمويل الاستهلاكى كبديل للأجور اللائقة المستقرة حيث تحقق للأسر ذات الدخل المنخفض وهم القدرة على استيفاء متطلباتهم الأساسية. فباتت الأسر تعتمد على هذا النمط التمويلى لتغطية نفقاتها واحتياجاتها الأساسية من تعليم وطعام واحتياجات منزلية يومية. وهكذا تحولت الديون اليومية إلى جزء لا يتجزأ من الحياة العادية اليومية.
مما دفع نحو نمو التمويل الاستهلاكى وزيادة الشركات التى تقدم خدماتها بشكل أكثر سهولة وانتشارا، مستفيدة فى ذلك بالإطار التنظيمى للسوق، ومن ثم فإن نمو هذا القطاع لا يمكن تفسيره من جانب واحد فقط؛ فهو أيضا يرتبط بالتوسع المؤسسى والتنظيمى لهذه الشركات، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التى تواجه الأسر فى ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة على الادخار والشراء.
ولم يقتصر هذا الأمر على الأسر فقط، فكما تدفع الحاجة والظروف الاجتماعية والاقتصادية الأسر إلى الاستدانة لتغطية احتياجاتها، تلجأ الدول أيضا إلى الاقتراض لتمويل مشروعاتها التنموية. فعلى مدار العقود الماضية، شهدت المنطقة تحولات كبيرة فى طبيعة الديون وأشكال التمويل. فعلى سبيل المثال؛ شهدت مصر توسعا ملحوظا فى الاقتراض الحكومى خلال العقد الأخير لتمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والتطور العمراني. ففى يونيو 2025 وصلت نسبة الدين من الناتج المحلى الإجمالى نحو 44.2% مقابل نسبة لا تتجاوز 15% فى عام 2015.
وعلى الرغم من اختلاف الديون عن التمويل الاستهلاكى الذى تلجأ إليه الأسر إلا أن التزامن بين الظاهرتين يثير العديد من التساؤلات حول طبيعة النموذج الاقتصادى وقدرته على تلبية الاحتياجات الحالية دون تحميل الأجيال المستقبلية أعباء أضافية.
•••
فلا يعنى هذا وجود علاقة سببية مباشرة بين التوسع فى التمويل الاستهلاكى واقتراض الدولة، فلكل منهما دوافعه وآلياته المختلفة. إلا أن وجودهما معا فى السياق نفسه يدفع إلى التساؤل عما إذا كانا يعكسان ظاهرة أعمق تتمثل فى الاعتماد المتزايد على الدين كأداة لمعالجة فجوات قائمة، سواء كانت فجوة بين دخل الأسر واحتياجاتها ـ وفجوة بين الموارد العامة والطموحات التنموية للدولة.
فعلى مستوى الأفراد؛ يتيح التمويل الاستهلاكى الوصول إلى السلع والخدمات بصورة أسرع، كما يخفف من الضغوطات الناتجة عن التضخم وارتفاع الأسعار ويخفف من الأعباء العاجلة على الميزانيات. على مستوى الدولة يتيح الاقتراض تنفيذ مشروعات قد يصعب تمويلها من الموارد المتاحة فى المدى القصير، وفى الحالتين يبدو الدين كأدة تسمح بتقديم جزء من المستقبل إلى الحاضر، غير أن السؤال هنا لا يتعلق بوجود الدين فى حد ذاته، بل بالشروط التى تجعل الاعتماد عليه مستداما وقادرا على إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية فى المستقبل.
حيث ارتبطت الديون فى منطقتنا لعقود طويلة بالقروض السيادية التقليدية التى كانت توجه إلى الموازنات العامة أو برامج الإصلاح الاقتصادى وغالبا ما ارتبطت بشروط تتعلق بإعادة هيكلة الاقتصاد أو السياسات المالية، وفى السنوات الأخيرة شهدنا توسعا ملحوظا فى أنماط أخرى من التمويل ارتبطت بالمشروعات الكبرى والبنية التحتية. كما شهدنا تنوعا فى مؤسسات الاستدانة، وهذا التحول جذب العديد من الحكومات فى منطقتنا بأنه يمنح التمويل ارتباطا مباشرا بمشروعات ملموسة يمكن قياس نتائجها ومتابعتها.
•••
وتظهر ملامح هذا التحول بوضوح فى عدد من دول المنطقة ذات الدخل المتوسط، ومنها مصر والأردن وتونس، وإن اختلفت السياقات الاقتصادية بينها ومصادر الاقتراض، ففى السنوات الأخيرة اتجهت هذه الدول بدرجات متفاوتة إلى توسيع الاعتماد على التمويلات الخارجية والاستثمارات المرتبطة بمشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل والخدمات الحضرية، باعتبارها أدوات لتعزيز النمو وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد.
وتُعد مصر مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ إذ ارتبط جزء مهم من التمويل الخارجى فى الثمانينات والتسعينات بدعم الموازنة وبرامج الإصلاح الاقتصادى وإعادة الجدولة، بينما اتجه جزء كبير من التمويل التنموى والاقتراض الخارجى خلال السنوات الأخيرة إلى مشروعات النقل والطاقة والبنية الأساسية والمدن الجديدة، ولا يعنى هذا بالضرورة أن هذه المشروعات غير ضرورية أو غير منتجة. فقد أسهم العديد من هذه المشروعات فى تطوير البنية التحتية وتحسين بعض الخدمات العامة. إلا أن تقييم أثرها الاقتصادى على المدى الطويل يظل مرتبطا بمدى قدرتها على توليد فرص العمل والإنتاج والإيرادات التى تسمح بتغطية تكلفتها التمويلية.
وفى محاولة للاشتباك مع هذه الأسئلة، طرح منتدى البدائل العربى عددًا من الدراسات التى تناولت العلاقة بين الديون والتنمية والتحولات الاقتصادية فى المنطقة، فمنها ما ارتبط بطبيعة العملية التنموية ومستقبلها، اتفاقيات التجارة الحرة الأوروبية: الاستثمار فى التنمية أم تنمية الاستثمارات، وما ارتبط بتحول الديون إلى جهات جديدة كورقة الديون الصينية وتأثيراتها فى بلدان المنطقة العربية، وما ارتبط بتداعيات الأزمات الاقتصادية والنمط الاقتصادى على العملية الديمقراطية: أثر الأزمات الاقتصادية والمالية فى العملية الديمقراطية. ولكن تظل أسئلتنا ثابته حول تأثير نمط الديون على الأفراد والمجتمعات وحقوق الأجيال القادمة والحق فى تنمية عادلة ومستدامة.
ومن هنا؛ لا يصبح النقاش حول الديون نقاشا محاسبيا يتعلق بحجم الاقتراض فقط، بل نقاشا يتعلق بكيفية استخدام الموارد المقترضة والعائد المتوقع منها. فالدين الذى يساهم فى زيادة الإنتاجية وتوسيع القاعدة الاقتصادية يختلف عن الدين الذى يؤدى إلى تراكم الالتزامات دون خلق موارد جديدة قادرة على خدمته فى المستقبل.
لذا تتزايد أهمية التميز بين أنواع الديون وأغراضها، فليست جميع الديون متشابهة من حيث الأثار الاقتصادية والاجتماعية، كما أن تقييمها لا يمكن أن يكون بمعزل عن طبيعة استخدامها وآجالها والعائد المتوقع منها. ولذلك فإن السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كانت الدولة أو الأسر تستدين أو لا، وإنما بما إذا كان هذا الاقتراض يخلق قدرة أكبر على الإنتاج وتوليد الدخل مستقبلا.
ولا تقتصر هذه الأسئلة على الحالة المصرية وحدها بل تمتد لنقاشات أوسع حول العديد من دول منطقتنا ودول العالم النامي، حول العلاقة بين التمويل والتنمية. فقد أثارت تجارب مختلفة تساؤلات بشأن حدود الاعتماد على التمويل الخارجى ومدى قدرة الاقتصاديات النامية على تحقيق نمو مستدام فى ظل تزايد أعباء خدمة الدين وتقلبات الأسواق العالمية.
وربما تكمن أهمية تزامن توسيع التمويل الاستهلاكى مع توسيع الاقتراض الحكومى فى أنه يسلط الضوء على تحولات أوسع فى الاقتصاد والمجتمع، فحين يصبح الدين أداة متزايدة الحضورة فى حياة الأفراد وفى السياسات العامة للدول، فإن ذلك يدفع إلى إعادة التفكير فى طبيعة النموذج التنموى نفسه، هل ينجح فى خلق موارد وفرص كافية لتمويل الاحتياجات الحاضرة والمستقبلية؟ أم أنه يعتمد بدرجة متزايدة على استباق الموارد المستقبلية من خلال الإقتراض؟
وهنا فإننا لا نقدم إجابات عن نماذج اقتصادية وتنموية بقدر ما نفتح نقاشا حول التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التى تمر بها منطقتنا وطبيعة الديون والتى يجب النظر إليها ليس كأرقام فقط بل كعنصر مهم يحدد المستقبل ويرتبط بقدراتنا على تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية وتوزيع عادل للأعباء بين الأجيال، وتحقيق تنمية مستدامة لا تجعل المستقبل مرهونًا بالتزامات الماضى.