عمرو موسى.. حين يصنع الرجل منصبه
جيهان فاروق الحسيني
آخر تحديث:
السبت 10 أكتوبر 2026 - 6:40 م
بتوقيت القاهرة
على مدى عقود، عرفت الدبلوماسية العربية أسماء بارزة تركت أثرها فى أحداث المنطقة وتحولاتها، لكن قلة منهم استطاعوا أن يصنعوا حضورًا يتجاوز حدود المنصب الرسمى. ومن بين هؤلاء يبرز اسم السيد عمرو موسى.
وفى عيد ميلاده التسعين، أستعيد مسيرة رجل عرفته عن قرب، تميز بالذكاء وقوة الشخصية والحضور، وبرهن طوال تاريخه الحافل على مبدأ طالما آمنت به: أن الرجل العظيم هو من يصنع موقعه، وليس المنصب هو الذى يصنعه.
بداية حوار.. وبداية معرفة
تعود علاقتى المهنية بالسيد عمرو موسى إلى عام 1993، حين أجريت معه أول حوار لصالح مجلة «الوطن العربي» التى كانت تصدر فى باريس. أذكر ذلك اليوم الطويل؛ إذ لم أغادر مكتبه إلا فى المساء، بعد الانتهاء من كتابة الحوار. ومنذ ذلك اللقاء، توالت المحطات التى جمعتنى به؛ رأيته وزيرًا للخارجية، وتابعت حضوره فى كواليس الرئاسة، ورافقته فى رحلات إلى غزة وبغداد، والتقيته فى لندن وواشنطن وباريس وغيرها.
ومنذ بدايات معرفتى به، لفتنى أيضًا أنه كان يجيد اختيار فريق العمل المحيط به. وأذكر أن السفيرة هالة غنام دعتنا يومًا إلى إفطار رمضانى للصحفيين، وكانت مناسبة اجتماعية دافئة، تعرفت خلالها إلى زملاء تحولت معرفتى ببعضهم إلى صداقات استمرت حتى اليوم.
دبلوماسية الألق والحضور
أحدث عمرو موسى حراكًا كبيرًا منذ توليه حقيبة وزارة الخارجية بعد عودته من نيويورك، وجعل من العمل الدبلوماسى العربى أكثر حضورًا وفاعلية، بالتكامل مع قامات دبلوماسية كبيرة مثل فاروق الشرع، وسعود الفيصل، وعبد الكريم الكباريتى، وفارس بويز، ومحمد بن عيسى، وغيرهم.
وفى تلك المرحلة، تحول وزراء الخارجية العرب إلى نجوم تتابع الشعوب مؤتمراتهم وتصريحاتهم بشغف واهتمام غير مسبوقين. كان جيلًا استثنائيًا فى حضوره السياسى والإعلامى، لكننى كنت أشعر أن عمرو موسى هو «المايسترو» الذى يضبط الإيقاع.
أتذكر أننى، خلال فترة تغطيتى لوزارة الخارجية، كنت كثيرًا ما أتأخر فى العمل خلال شهر رمضان. وفى أحد الأيام قلت لشقيقتى مازحة:
«باين عمرو موسى ما بيفطرش فى بيته!»
فأجابتنى سريعًا:
«ما تقلقيش عليه.. فطر كتير قبل كده!»
وعندما رويت له الحكاية لاحقًا، ابتسم وقال:
«أختك معاها حق!»
ولا تزال هذه الحكاية الصغيرة عالقة فى ذاكرتي؛ لأنها تختصر أجواء تلك الأيام الطويلة، وتكشف فى الوقت نفسه جانبًا من خفة ظله وبساطته.
فى كواليس الرئاسة ومجلس الشعب
خلال تغطيتى للرئاسة المصرية، كنت أراقب طريقة تعامل المسئولين فى حضور الرئيس حسنى مبارك. وكان عمرو موسى لافتًا بحنكته وقدرته على الجمع بين احترام موقع الرئاسة والحفاظ على شخصيته ومكانته.
وأذكر، خلال أحد الاستجوابات فى مجلس الشعب، أن أحد النواب سأله بانفعال:
«إحنا مالنا بالقضية الفلسطينية؟»
فرد عمرو موسى مستنكرًا:
«إزاى؟!»
ثم أكد أن ارتباط مصر بالقضية الفلسطينية ارتباط مركزى، ويتعلق بمكانتها وثقلها الإقليمى، وأن تهميش هذا الدور يضعف مصر.
جامعة الدول العربية.. حراك عابر للقارات
مع انتقاله إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، دخلت الجامعة عهدًا جديدًا من النشاط والحراك.
ولا أنسى الزيارة التاريخية التى رافقناه فيها إلى قطاع غزة لكسر الحصار، وكيف استقبله الفلسطينيون بحفاوة وتقدير. كما أتذكر تعاطيه مع الملف العراقى الشائك خلال رحلتينا إلى بغداد، قبل سقوط صدام حسين وبعده، وحرصه على سيادة العراق وعروبته.
ولم تقف رؤيته عند حدود المنطقة، بل امتدت إلى تأسيس «قمة دول أمريكا الجنوبية والدول العربية» فى برازيليا، فى إطار سعى من خلاله إلى توسيع جسور التعاون السياسى والاقتصادى بين الجانبين.
كما سعى إلى جعل الجامعة العربية جسرًا يربط بين رجال الأعمال العرب فى الوطن العربى ونظرائهم من أبناء الجاليات العربية فى المهجر.
الأناقة خارج البروتوكول
وكان الرئيس الأسبق حسنى مبارك، رحمه الله، قد حدثنا ذات مرة عن عمرو موسى وحبه للتسوق. وروى أنه خلال إحدى الزيارات الرسمية إلى واشنطن، اصطحبهم عمرو موسى إلى أحد المجمعات التجارية، حيث اشترى كل منهم زوجًا من الأحذية!
ولم تكن هذه الصورة بعيدة عما عرفته عنه؛ فأذكر أنه أثناء مشاركتنا فى أحد المؤتمرات بمدينة هيوستن الأمريكية، وفى اليوم الأخير للمؤتمر، قررت اختلاس بعض الوقت بعيدًا عن الجلسات للقيام ببعض التسوق.
وكانت المفاجأة أن صادفت السيد عمرو موسى نفسه داخل متجر «لوى فيتون» (Louis Vuitton)، يبحث، بشغفه المعتاد، عما يرضى ذوقه فى الأناقة.
ثبات ومواقف قومية
ولعل أكثر ما بقى فى ذاكرتى من مسيرته ثباته فى مواقفه القومية، ولا سيما تجاه القضية الفلسطينية، التى ظلت حاضرة فى اهتمامه ورؤيته للعمل العربى.
وأذكر حضوره الذكرى الخمسين للنكبة فى العاصمة البريطانية لندن، وسط حفاوة فلسطينية كبيرة من أبناء الجالية هناك. وكانت للسيد عمرو موسى مكانة خاصة لدى معظمنا كفلسطينيين، سواء ممن عرفوه عن قرب أو ممن تابعوا مواقفه.
وبالفعل، كنت أتمنى أن يفوز فى الانتخابات الرئاسية المصرية، وكانت صديقتى المقربة شهيرة، رحمها الله، إحدى أفراد حملته الانتخابية.
ورغم اختلافى معه فى كثير من القضايا والرؤى، فإن ذلك لم يمنعنى يومًا من تقدير شخصيته وحضوره وحنكته، واحترامه لموقعه ولذاته.
وفى عيد ميلاده التسعين، أرفع أسمى آيات التقدير والود إلى فارس الدبلوماسية العربية، السيد عمرو موسى، متمنية له دوام الصحة والعمر المديد وراحة البال.
وكل عام وأنت حاضر فى ذاكرة الدبلوماسية العربية، وفى ذاكرة كل من عايشوا مسيرتك العطرة.
صحفية من واشنطن