«معَكَ» رفقة العمر والفكر
إيهاب الملاح
آخر تحديث:
السبت 10 أكتوبر 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
(1)
منذ صدوره فى سبعينيات القرن الماضى، حظى هذا الكتاب باهتمام كبير ومتجدد ضمن الكتب التى تناولت جانبًا أو أكثر من جوانب سيرة الدكتور طه حسين (1889-1973) الذى تحل ذكرى رحيله هذا الشهر؛ هذا الكتاب هو السيرة الذاتية التى كتبتها السيدة قرينته، وأم أولاده، ورفيقة عمره التى لازمته 55 عامًا، لم تفارقه خلالها ثانية واحدة!
فى هذا النص المدهش، «مَعَكً» الذى كتبته بالفرنسية السيدة سوزان بريسو الشهيرة بسوزان طه حسين، وترجمه إلى العربية بدر الدين عرودكى، وراجعه وكتب له المقدمة المرحوم محمود أمين العالم، ستواجهنا طاقة شعرية وإنسانية فاتنة تجسِّد حكاية حب لا تموت، كانت سوزان دومًا (مَعَه) حتى آخر يوم فى حياته.
كانت العين التى يرى ويقرأ بها، ويسمع لها، ويملى عليها، وإذا ما أعيته الحيلة كانت أجهزة الاستقبال «الشعورية» واللا شعورية تمارس ما بات يعرف الآن بـ«الواير ليس». نعم. كانت هى قرون الاستشعار الحساسة التى يصل إليها، عبر الحس والشعور، قبل الحواس والاتصال المباشر، ما كان يعانيه هذا الفتى الأسمر الكفيف. لم تلجأ إلى التحليل والمنهج والفكر؛ إنها فقط روت حكايات وقصصًا.
افتتحت السيدة سوزان طه حسين كتابها «مَعَك» بعبارة دالة «إننا لا نحيا لنكون سعداء»، هذه العبارة التى وردت على لسان طه حسين نفسه، لتستهل قصة حياة امتدَّتْ قرابة الستين عامًا، معَه، مع الجانب الإنسانى الدافئ لعميد الأدب العربى، وستروى عن زوجها حكايات وعبارات، يمثِّل كلٌّ منها مفتاحًا جوهريًّا لفهم هذه الشخصية ذات المرايا المتعددة.
(2)
أما كيف بدأت الحكاية؛ فترويها سوزان:
«أول مرة التقينا فيها كانت فى 12 مايو 1915 فى مونبلييه/فرنسا». ولم يكن ثمة شىء فى ذلك اليوم ينبئنى بأن مصيرى كان يتقرّر، ولم يكن بوسع أمى أن تتصور أمرًا مماثلًا، وكنتُ على شىء من الحيرة، إذ لم يسبق لى فى حياتى أن كلمتُ أعمى. لقد عدتُ إليه أزوره بين الحين والآخر فى غرفته التى كانت غرفة طالب جامعى. كنا نتحدث وأقرأ له بعض الفصول من كتاب فرنسى. ولعل القدر كان قد أصدر قراره بالفعل. فقد كان هناك أعمى آخر، هو أستاذه الإيطالى الذى يدرسه اللغة اللاتينية، قد أدرك ذلك، وقال له: «سيدى.. هذه الفتاة ستكون زوجتك!».
كان ثمة غرفة شاغرة فى بيت سوزان اقترحت أمها على طه أن يسكنها، وكانت هناك سيدة كبيرة فى السن تصحبه إلى السربون، وقارئة تأتيه بانتظام بتكليفٍ من الحكومة المصرية، لكن شيئًا فشيئًا أخذت سوزان تتدخل فى ذلك، وتصطحبه إلى الجامعة، وتقرأ له أيضًا لساعات وساعات.. وذات يوم تجرأ طه، وقال لها: «اغفرى لى.. لا بد من أن أقول لك ذلك.. أنا أحبك!».
وصرخت سوزان وقد أذهلتها المفاجأة، وقالت بفظاظة: «ولكننى لا أحبك»، فقال بحزن: «آه.. إننى أعرف ذلك جيدًا.. وأعرف كذلك أنه مستحيل».. ثم تقول سوزان: «ويمضى زمن، ثم يأتى يوم آخر أقول فيه لأهلى إننى أريد الزواج من هذا الشاب». وكان ما كنت أنتظره من ردّ الفعل: كيف؟ من أجنبى؟ وأعمى؟ وفوق ذلك مسلم؟! لا شكّ أنك جننت تمامًا!
وتكمل سوزان: «ربما كان الأمر جنونًا، لكنى كنت قد اخترت حياة رائعة.. اخترت! من يدرى؟ لقد قالت لى صديقة ذات يوم (لقد كان عليك أن تضطلعى بهذه الرسالة).
(3)
اللافت أن أمر زواجهما لم يكن مستغربًا ولا مستهجنًا فى فرنسا وحدها بل فى مصر أيضًا!
تروى سوزان أنه باستثناء عدد من أصدقاء طه حسين، على صعيد الفكر والسلوك؛ من أمثال الدكتور أحمد لطفى السيد، والأخوين الشيخ مصطفى عبدالرازق، والشيخ على عبدالرازق، كان سواهم ينظرون بعين الريبة، بل والاستنكار أحيانًا لا إلى الزواج المختلط فحسب، بل إلى حضور المرأة إلى جانب الرجل فى ميادين الثقافة والسياسة.
وتروى أنه حدث مرة أثناء الإعداد لاحتفال من أجل تخليد ذكرى الأستاذ الإمام محمد عبده، أن طرح طه حسين خلال أحد الاجتماعات هذا السؤال الذى لم يكن يخلو من الخبث: «هل ستشارك النساء فى هذا الاحتفال؟».
وسيثير سؤاله الفضولَ والعجبَ لدى بعض من جعلوا من أنفسهم سدنة الدين والدنيا معًا! يقول له فى الاجتماع نفسه من خلَف الشيخ محمد عبده فى منصب المفتى الأكبر، وهو الشيخ بخيت:
«لكنى بعد كلّ شىء يا دكتور طه أودّ أن أفهم الأسباب الحقيقية التى حملتك على الزواج من أجنبية».
فأنتَ مصرى طيب ووطنى طيب عظيم الذكاء.. فكيف أقدمتَ على مثل هذا العمل؟
ويجيبه طه حسين: «قابلت فتاة، وأحببتها، فتزوجتها، ولو لم أفعل لبقيت عَزبًا أو لتزوجت -نفاقًا، بما أننى أحبّ امرأة أخرى- امرأة مصرية، وكنت سأجعل منها امرأة تعسة!».
يعقب الشيخ: «هذا أمر لا أستطيع تصوره!».
يرد طه حسين: «هذا أمر لن تستطيع تصوره دومًا يا فضيلة الشيخ، فنحن لا ننظر إلى الأشياء بالطريقة نفسها أبدًا!».
(وللحديث بقية)