بين الطهطاوى وأحمد أمين
محمود عبد الشكور
آخر تحديث:
السبت 10 أكتوبر 2026 - 6:40 م
بتوقيت القاهرة
مصادفة غريبة أن أقرأ هذا الكتاب صغير الحجم، كبير القيمة، فى وقت انشغلت فيه بسؤال عن أدوات النهضة، والتى خرجت من شجرتها الضخمة الدولة المصرية الحديثة.
كان سؤالى حول ما إذا كانت النهضة ثمرة إرادة وقرار أم أنها نتاج مواهب فذّة معدودة، اختصرت المسافات، وطوت المراحل والخطوات، وأورثت طاقتها المتفردة للأبناء والأحفاد والتلاميذ؟
وجدتُ فى الكتاب وعنوانه «الشيخ رفاعة الطهطاوى» للأديب أحمد أمين، والصادر فى سلسلة «اقرأ» فى دار المعارف، ما يمكن اعتباره إجابة غير مباشرة عن سؤال النهضة، إذ بدأ الأمر بقرار وإرادة محمد على، الذى أراد أن يخدم الجيش، فكانت تلك النهضة التعليمية، لكن لولا مواهب فذّة واستثنائية مثل رفاعة الطهطاوى، ما كان لهذه الإرادة أن تحقق ثورة كاملة فى سنوات قليلة.
هذه المزاوجة بين القرار والعبقرية الفردية هى سرّ الحكاية وعنوانها، أما الكتاب فقد كان أصلًا ستّ حلقات نشرها أحمد أمين فى مجلة الثقافة، وجمعها فى الجزء الخامس من كتابه الشهير «فيض الخاطر»، ولا شك أن إعادة طبعها فى كتاب مستقل يقدم سيرة فريدة للطهطاوى عبر قلم أحد رموز النهضة فى زمن آخر، الاثنان (الطهطاوى وأمين) تأسسا من خلال الدراسة الأزهرية، لكنهما انفتحا على الثقافة والأدب والمدنية الحديثة، وجمعا بذلك بين ثقافة دينية راسخة، ورؤية واسعة للعلم وللحضارة.
أن يكتب أمين سيرة مختصرة للطهطاوى، وأن يحلِّل عناصر تجربته العظيمة، وأن يراها بعين جيل آخر، كل ذلك مما يضيف حيوية بالغة للكتاب.
يؤكد أمين -منذ البداية- أن العبقرية الفردية حاسمة فى قراءة تجربة هذا الأزهرى الصعيدى، الذى اختير إمامًا لأول بعثة تعليمية إلى فرنسا، فأصبح أستاذًا فى الترجمة، وعاد ليؤسس مدرسة الألسن، ويترجم عشرات الكتب والمراجع، ويسهم فى نهضة التعليم.
مئات تعلموا فى الأزهر، ومئات حفظوا القرآن الكريم، ولكن أحدًا لم يحقق ما أنجزه الطهطاوى ببراعته ودأبه وشغفه العارم بالمعرفة، وكأنه كان على موعد مع لحظة انتقال خارقة.
لم يكتفِ بالدراسة والتعلّم، ولكنه اكتشف الحياة الفرنسية فى تفاصيلها وصخبها، مثل رحّالة يرى ويسجّل ويقارن وينتقد ويستحسن، فلما انتهت سنواته الخمس فى فرنسا، كان قد أنجز 12 عملًا مترجمًا، واستطاع أن يمتحن شفويًا وتحريريًا أمام لجنة من كبار الأساتذة.
كان يمكن أن يكتفى بإمامة المبعوثين، ولكنه ألزم نفسه ببرنامج شاق ومرهق: تعلّم الفرنسية كلغة فى ثلاث سنوات، نحوًا وصرفًا، وإملاء وكتابة، مع قراءة كتب معينة فى فلسفة اليونان والتاريخ العام، ودرس الحساب والهندسة، وقرأ على أستاذ فرنسى كتابًا واسعًا فى الجغرافيا والطبيعة والسياسة، وكتبًا فى المعادن والمنطق، وقرأ أعمالًا أدبية وفلسفية لفولتير وراسين وروسو، وقرأ كتاب «روح القوانين» لمنتسكيو.
امتدت قراءاته فى سنوات البعثة إلى العلوم العسكرية وعلم الطبيعة، وصادق اثنين من كبار المستشرقين؛ هما: سلفستر ده ساس، وكورين دى برسيفال، استفاد هو من مناهج بحثهما، بينما استفادا هما من معارفه فى اللغة العربية.
أفرط الطهطاوى فى البحث والاطلاع ليلًا حتى ضعفت عينه اليسرى، ومع ذلك لم يتوقف عن شراء الكتب وقراءتها، بل إنه استعان بالمزيد من مدرسى اللغة الفرنسية، بالإضافة إلى أولئك الذين خصصتهم له البعثة. لكن الأهم من هذا التحصيل والتراكم هو «العقل» الذى رأى وعرف وانتقد وحلّل.
هذا الشاب الذى واجه الحضارة الغربية، وهو فى سن الخامسة والعشرين، كانت لديه رؤية ناضجة قادرة على الفرز والأخذ والرفض. لم يمنعه تمسكه بدينه وثقافته الإسلامية أن يكون منصفًا، وهو يشيد بذكاء الفرنسيين وحبهم للمعرفة، ولم يمنعه تقديره للمدنية الحديثة أن ينتقد غلبة الطبيعة العملية والمادية عند من عرفهم من الفرنسيين.
لم يدفعه الانبهار إلى قبول كل شىء، ولم يرَ أى تناقض بين أن يتمسك بدينه وثقافته الإسلامية، وبين أن ينفتح على الحضارة الغربية، ويأخذ منها ما يفيد، بل إن تأسيس مدرسة الألسن كان أحد الأبواب الكبرى لترجمة أهم الكتب فى شتى فروع العلم والطب والأدب، وكان هذا الجسر من أبرز عناصر النهضة المصرية.
بدأت مدرسة الألسن بنحو خمسين طالبًا نابغًا اختارهم رفاعة الطهطاوى من الكتاتيب، وكانت دراستهم داخلية، ثم نضجت التجربة وتطورت سريعًا، فألحقت بمدرسة الألسن مدرسة تجهيزية بدلًا من الكتاتيب، ووصل عدد الطلبة إلى 150 طالبًا، وأنشئت بالمدرسة فروع مختلفة، مثل مدرسة للفقه الإسلامى، والقانون الفرنسى، ومدرسة للمحاسبة، وظل الشيخ رفاعة يعمل فى هذه المدارس طوال 17 عامًا.
وجد هذا النشاط دعمًا من محمد على، ومن سعيد ومن إسماعيل، بينما تراجع دور ونشاط الطهطاوى فى زمن عباس حلمى الأول، الذى نقله منفيًا إلى السودان، ليكون ناظرًا لمدرسة ابتدائية، وخلال تلك الفترة، انتهز الفرصة لترجمة قصة «تليماك»، ولم ينقذه من هذا المنفى إلا موت عباس حلمى الأول، لكن بعد أربع سنوات غاب فيها الطهطاوى عن مصر.
رؤية أحمد أمين لسيرة الطهطاوى منصفة وعميقة، يعطى له حق عبقريته ونشاطه طوال 44 عامًا من العمل منذ العودة إلى البعثة، حتى الوفاة فى سن الخامسة والسبعين، ويلتقط من السيرة ما يقدِّم دروسًا معاصرة، مثل أهمية العناية بالنظافة التى لفتت نظر الطهطاوى فى فرنسا، وضرورة تعليم الفتيات، بل إن أمين يعتبر الطهطاوى أسبق من قاسم أمين فى هذه الدعوة، مثلما يُعتبر الطهطاوى أول من ذكر معنى «الوطن» و«الوطنية» فى كتابه «مباهج الألباب المصرية فى مناهج الآداب العصرية»، وأول من قدّم منهجًا ميسرًا فى تدريس قواعد النحو.
لا يرى أمين فى الطهطاوى شاعرًا كبيرا ولا ناثرًا عظيما، ولكن قيمته الكبرى فى نشر العلم، وتأسيس نهضة علمية، وفتح آفاق واسعة للمتعلمين، وتعريفهم معنى العلم الصحيح.
أعتقد أيضًا أن حكاية الطهطاوى تقدّم إلينا روشتة «النهضة» كمزيج من الإرادة والمنهج والعبقريات، والتفاعل مع الحضارة، وليس الانعزال عنها.