لا يكفى أن تتفق طهران وواشنطن حتى يكتمل البنيان الإقليمى

طارق فريد زيدان
طارق فريد زيدان

آخر تحديث: السبت 10 أكتوبر 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

تنطوى الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر، والمأساة الفلسطينية لم تصبح ذكرى حتى نكتفى باستعادتها. ما تزال غزة جرحًا فى ضمير المنطقة، فيما تجاوزت الحرب حدود المكان الذى بدأت فيه. ولا يكفى أن نبدأ من صباح السابع من أكتوبر 2023. ينبغى العودة عشرين سنة إلى الوراء، إلى بغداد فى ربيع 2003، حيث المسافة بين التاريخين ليست بعدد السنوات فحسب، بل هى المسافة بين بدء عملية الهدم لنظام إقليمى، وانكشاف عجز ما تبقّى منه عن حمل المنطقة.
• • •
لم يكن الشرق الأوسط عشية الغزو الأمريكى للعراق عام 2003 واحة سلام، لكنه امتلك قواعد وترتيبات يستطيع اللاعبون التعامل معها وإدارة تداعياتها، حتى عندما يعملون على تجاوزها. فقد جرى تنظيم النزاعات ضمن توازنات واتفاقات وحدود للقوة، وظل الاستقرار الإقليمى قائمًا. وفى كثير من الأحيان، ساهمت هذه الترتيبات فى تأجيل الانفجار. تم التعبير عن هذه الترتيبات بصيغة قواعد واتفاقات أمنية وسياسية، وقام السقف السياسى مستندًا إلى خمس أساسات: كامب ديفيد، واتفاق الطائف، واتفاق أوسلو، واتفاق وادى عربة، وسياسة الاحتواء المزدوج للعراق وإيران.

لم تكن هذه الترتيبات متشابهة فى طبيعتها. فبعضها معاهدات سلام بين دول، وبعضها تسويات داخلية بضمانات إقليمية أو مسارات تفاوضية، وبعضها الآخر سياسات أمريكية للضبط والمنع. لكنها أدّت مجتمعة وظائف متكاملة فى إدارة الشرق الأوسط لعقدين من الزمن. صحيح أن اتفاقية كامب ديفيد أخرجت مصر من الحرب النظامية مع إسرائيل، لكنها أعادت تعريف موقع القاهرة فى ميزان الصراع. كذلك أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية اللبنانية، لكنه ربط إعادة بناء السلطة اللبنانية بتوازن عربى ودولى كانت سوريا صاحبة اليد المباشرة فى تنفيذه، أما اتفاق أوسلو، فقدم وعدًا بتحويل المسألة الفلسطينية من مواجهة مفتوحة إلى مسار تفاوضى يُفترض أن يقود إلى دولة فلسطينية. وعلى رديفه، ثبّت وادى عربة السلام الأردنى الإسرائيلى فى ظل أفق فلسطينى كان يُقدَّم باعتباره قابلًا للتحقق فى زمن ما. أما «الاحتواء المزدوج» فقد قام على منع العراق وإيران من تهديد الترتيب الإقليمى الجديد، من دون الاعتماد على إحداهما لموازنة الأخرى. هكذا لم يُبنَ السقف على المصالحة الشاملة، بل على تجزئة النزاعات والتسويات: حرب تُجمَّد هنا، وقضية تُحال إلى التفاوض، ودولة تُحاصر وأخرى تُراقَب.

• • •
جاء الغزو الأمريكى للعراق عام 2003 ليغيّر قواعد الاشتباك. انتقلت واشنطن من احتواء العراق إلى احتلاله، ومن ضبط سلوك النظام إلى إسقاطه وتفكيك مؤسساته. لم يسقط نظام صدام حسين وحده، بل سقط معه وزن عراقى كان جزءًا من معادلة الخليج والمشرق. وحين فُتح باب الفراغ، تمدد النفوذ الإيرانى، وتصاعدت الانقسامات، وتحولت الدولة فى بلاد الشام إلى موضوع تنازع بين قوى الداخل والخارج. أرادت أمريكا عراقًا جديدًا، لكنها ساهمت فى إنتاج شرق أوسط يصعب عليها ضبطه. القدرة على إسقاط دولة لا تعنى امتلاك القدرة على بناء التوازن الذى سيحل محلها.

بعد بغداد جاء دور بيروت. ففى سبتمبر 2004، صدر القرار الأممى 1559، مطالبًا بانسحاب القوات الأجنبية، وحلّ الميليشيات ونزع سلاحها، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها. لم يكن القرار إلغاءً قانونيًا لاتفاق الطائف، فقد أكدت الأمم المتحدة التوافق بين أحكامه وأحكام القرار الدولى الجديد، الذى تمت صياغة حروفه فى النورماندى بين جاك شيراك وجورج دبليو بوش. لكن معناه السياسى مسّ التوازن الذى استقر عليه تطبيق الطائف، خصوصًا موقع سوريا الإقليمى، المتأتى فى الجزء الأبرز منه من خلال دور دمشق فى إدارة توازنات الواقع السياسى اللبنانى. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة القرار 1559 بوصفه إعلانًا لانتهاء صلاحية الصيغة الإقليمية التى حكمت لبنان بعد الحرب الأهلية. جاء اغتيال رفيق الحريرى، ثم الانسحاب السورى عام 2005، فدخل لبنان مرحلة البحث عن سلطة جديدة فوق قواعد قديمة. صار ترتيب الطائف، فى وظيفته الإقليمية، اتفاقًا أُعلن موت عالمه من دون القدرة على دفنه أو إنجاب بديل له.

فى فلسطين، كان ترتيب أوسلو يتآكل قبل رحيل ياسر عرفات. فالاستيطان يلتهم الأرض، والمفاوضات تدور حول الأرض نفسها، والسلطة الفلسطينية تتوسع إداريًا، بينما تتقلص قدرتها على الوصول إلى السيادة. حين رحل عرفات عام 2004، بعد حصاره فى مقاطعة رام الله، غاب الرجل الذى حمل التناقض بين الثورة والتسوية فى شخصه. يمكن القول إن اتفاق أوسلو فقد، مع غيابه، آخر رموزه القادرين على إعطاء المسار معنى وطنيًا يتجاوز الإدارة اليومية للاحتلال. بقيت مؤسسات أوسلو وتراجع وعده. بقيت السلطة وغابت الدولة. بقى التنسيق وضاق الأفق. ثم أضاف الانقسام الفلسطينى جدارًا داخليًا إلى الجدران التى أقامها الاحتلال. لم ينتهِ أوسلو فى يوم واحد، بل انتهى بالتقسيط. وما بدا مسارًا انتقاليًا صار إقامة طويلة فى انتظار لا ينتهى. وجاء السابع من أكتوبر فى منطقة تعلمت التعايش مع هذا الانتظار، حتى حسبت أن غياب الحل قابل للاستمرار إلى ما لا نهاية.

• • •
بين بغداد وغزة، تعاقبت على المنطقة سنوات من الدم: حروب إسرائيلية مدمرة، وصراعات أهلية، وانهيارات اقتصادية، وتهجير جماعى، وصعود جماعات جعلت الخرائط مساحات للقتل والتدمير ومشاريع «الدويلات». لم تكن كل هذه الأحداث فصولًا فى خطة واحدة محكمة، لكنها التقت فى نتيجة واحدة: إضعاف قدرة المنطقة على إنتاج قواعد مشتركة تضبط النزاعات وتحمى المجتمعات.

هنا نصل إلى المعضلة. أمريكا تريد إعادة ترميم الترتيبات حتى تتفرغ لما بعد الشرق الأوسط وما بعد الخليج. إيران دفعت ثمن حرب مؤجلة منذ نحو نصف قرن. كل الصياغات الأمريكية الإيرانية فى العقدين الأخيرين اللذين أعقبا غزو العراق كانت تهدف إلى تجنب كأس الحرب، إلى أن وقعت الحرب المؤجلة. دفعت إيران كبير الأثمان والميزانيات لأجل الدفاع عن مصالحها من دون أن تجعل النار تقترب من حدودها. لكن حمم النيران انصبت عليها وقتلت قادتها. ومن دولة كبرى تريد إعادة بناء الترتيبات وترميمها إلى دولة إقليمية صاعدة تعاند وترفض تغيير السقوف فوقها، ثمة عبارة تختصر قراءتين متعارضتين لمستقبل المنطقة أكثر مما تصف برنامجين معلنين بكل تفاصيلهما. تريد واشنطن إعادة إنتاج وظائف النظام القديم بأدوات جديدة. تريد ضمان أمن إسرائيل، وحماية تدفق الطاقة، وضبط القوى المناوئة، وربط الاستقرار بمظلتها العسكرية والسياسية. أما إيران، فتريد أن يُترجم وزنها إلى اعتراف بموقعها فى تحديد قواعد الأمن الإقليمى. وتسعى إلى الخروج من موقع الدولة التى يُصمَّم النظام الإقليمى لاحتوائها، والدخول إلى موقع القوة التى لا يمكن تصميم النظام ذاته من دونها.

• • •
ومن بغداد 2003 إلى غزة 2023، إلى حرب 2026، نقرأ سيرة تفكك طويل؛ سيرة تشرح كيف تُهدم التوازنات قبل أن تُبنى بدائلها، وكيف تتحول التسويات إلى أسماء بلا قدرة على التحول إلى واقع، وكيف يدفع الناس ثمن الخلاف بين «المهندسين». المنطقة تبحث عن بناء تسكن فيه، بعد أعوام أمضتها بين بيوت مهدمة وأخرى مهددة بالانهيار. وحتى يصبح هذا البناء ممكنًا، لا يكفى أن تتفق أمريكا وإيران على ارتفاع السقف أو حدود الجدران؛ ينبغى أن يكون لأهل المنطقة رأى فى الأعمدة التى ستحمله، والأبواب التى ستُفتح أو تُغلق، والنوافذ التى سيُرى منها المستقبل، وقبل ذلك كله، فى الحقوق التى سيصونها هذا البناء، ومن يملك مفاتيحه، ومن يقرر قواعد السكن فيه. فالمشكلة لم تعد فى هندسة توازن جديد فحسب، بل فى ما إذا كان أهل المنطقة سيبقون مادة فى مشاريع الآخرين أم يصبحون أخيرًا شركاء فى صياغة النظام الذى سيعيشون تحت سقفه؟

كاتب سعودى

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved