الحداثة فى ثلاثمائة عام: رؤى مختلفة للعالم

أحمد عبدربه
أحمد عبدربه

آخر تحديث: السبت 10 نوفمبر 2018 - 8:15 م بتوقيت القاهرة

بعد مأزق الحداثة الأوروبية منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية فى عام ١٩٤٥، عادت أوروبا مرة أخرى للاستقرار التدريجى وعادت التجربة الحداثية النهضوية لتستكمل طريقها بنجاح. انهزم الإمبراطور اليابانى فى أقصى الشرق وتخلى عن كل المستعمرات اليابانية فى شرق وجنوب شرق آسيا، انهزم النازى الألمانى، والفاشى الإيطالى، وعادت قوة قديمة لأضواء المسرح العالمى مرة أخرى، الاتحاد السوفيتى استعاد عافيته وأراضيه المسلوبة وأخد فى التوسع، الإمبراطورية الصينية استعادت أمجادها القديمة وانتهى الصراع بين القوميين والشيوعيين لصالح الأخيرين بقيادة ماو تسى دونج، تخلصت شبه الجزيرة الكورية من الاحتلال اليابانى، وعادت الولايات المتحدة بعد فترة تردد وعزلة لقيادة العالم الغربى، بدأت القوى الاستعمارية فى تفكيك مستعمراتها والعودة من حيث أتت، وعرفت القارتان الإفريقية والآسيوية تحديدا طعم الاستقلال وتقرير المصير والدولة القومية ذات السيادة.
صحيح أن انتهاء الحرب العالمية لم يكن يعنى بالضرورة انتهاء النزاعات من العالم، فاندلعت الحروب فى كوريا وفيتنام وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط ولكن تشكل ذلك فى ظل عالم جديد ثنائى القطبية يقوده الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة يعتمد على الحروب المحدودة بالوكالة ويتجنب المواجهات الشاملة فى ظل ردع متبادل بين القطبين لامتلاك كل منهما للسلاح النووى.
يمكن وصف الفترة بين ١٩٤٥ و١٩٩٠ من المنظور الحداثى بأنها فترة الاستقرار على معانى وسمات الحداثة، استمرار للنهضة دون تعطيل بفعل الحروب الشاملة، التوافق على معادلات السياسة والاقتصاد فى كل من المعسكر الشرقى (الاشتراكية الشعبوية بقيادة الحزب الواحد)، والمعسكر الغربى (الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية)، صحيح أن كل معسكر شهد قدرا من الاستثناءات مثل الهند الديمقراطية الاشتراكية تحت قيادة نهرو الأقرب للمعسكر الشرقى حتى لو أعلنت «عدم الانحياز»، أو كوريا الجنوبية وإسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا وبعض دول أمريكا اللاتينية حيث النظم العسكرية/السلطوية التى طبقت نظام رأسمالية الدولة، لكن كان الاستقرار هو سيد الموقف حتى انهار الاتحاد السوفيتى فى ١٩٩٠.
قادة المعسكر الشرقى اختارت إلحاد الدولة كمبدأ ثابت لقيادة الجماهير وكسمة من سمات النهضة، إلحاد الدولة هنا لم يكن يعنى فى الحقيقة علمانيتها، ولا حتى عدم ارتباط مؤسسات الدولة بأى دين، ولكن الإلحاد هنا كان يعنى اضطهاد الدين وخنقه فى المجال العام أيضا فضلا عن المجال السياسى بالقطع، أما قادة المعسكر الغربى فقد اعتمدوا نسخة الديمقراطية الليبرالية فى دولة علمانيتها لم تكن سوى إعلان عن حياد الدولة ومؤسساتها تجاه كل المواطنين بغض النظر عن ديانتهم، ولا توجد هنا استثناءات تذكر فى أوروبا سوى فرنسا وبشكل أقل هولندا وتركيا التى طبقت نسخا أكثر تشددا من العلمانية جعلت من الأخيرة دين الدولة وضيقت على الدين فى المجالين العام والسياسى.
***
كانت من أبرز ملامح هذه الفترة بدء تصالح الدولة مع الدين فى المجال العام بل ولاحقا فى المجال السياسى فانتشرت الأحزاب المسيحية الديمقراطية (كان الظهور الأول لها فى القرن التاسع عشر) لتحافظ على الجانب الروحى الحضارى لأوروبا المسيحية كمصدر للمبادئ العامة مع علمنة التشريع بشكل كامل فضلا عن التزام معظمها بمبادئ حرية السوق.
وهكذا احتاجت أوروبا والعالم الغربى عموما إلى ما يقرب من ٣٠٠ عام للوصول إلى النسخة الأكثر استقرارا من التجربة الحداثية وإن كانت لم تسلم من نقد كبير أتناوله لاحقا، عملية تغيرت فيها البشرية كثيرا من كل النواحى الثقافية والحضارية والاقتصادية والسياسية. بعد ٣٠٠ عام من التجربة الحداثية، استقرت بوضوح أربع رؤى مختلفة للعالم تلخصها لنا «كارولين هامفرى» فى بحثها المعنون «قلب العالم رأسا على عقب» فى الصفحات من ١٠٧ حتى ١١٨ من كتاب «الدين والروحانية والعلوم الاجتماعية» السابق الإشارة إليه فى مقالة فائتة، تعرض «هامفرى» الرؤى الأربعة التالية للعالم:
أولا: الرؤية العلمانية للعالم: حيث تعتبر هذه الرؤية أن المعيار الوحيد لرؤية العالم وفهمه هو حياتنا نفسها على الأرض، وبالتالى فكل حقيقة على هذه الأرض هى تجربة شخصية قائمة بذاتها معتمدة على معارفنا المباشرة، العالم هو نحن، صراعاتنا، خلافاتنا، تعاوننا، خبراتنا، تربيتنا لأطفالنا، عملنا، الموت فى هذه الحالة هو نهايتنا، حينما نموت فقد انتهت ذواتنا ومعارفنا، بعبارة أخرى الموت هو الفناء ولا شىء غيره. تفاعلنا مع العالم إذن محكوم بانطباعاتنا، برؤيتنا، بقدرتنا على التواصل، ومن هنا فالعالم بالنسبة لنا هو التجربة الشخصية الذاتية لكل فرد فينا ومن هنا يأتى تفردنا المحكوم بتفرد خبراتنا فى هذه الحياة، اللذة، الحب، المرض، الألم، كلها معانى ذاتية خاصة بكل تجربة نخوضها فى الحياة التى تنتهى بموتنا وليس بعدها حياة أخرى.
ثانيا: الرؤية العلمية للعالم: وهى الرؤية التى ارتبطت ارتباطا وثيقا بالحداثة الأوروبية والتى ترى أن معيار رؤية هذا العالم هو العلم ولا شىء غيره. الرؤية العلمية تتقاطع مع الرؤية العلمانية من حيث رفض أى حقيقة تتعلق بما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ولكنها تختلف عن الرؤية العلمانية باعتبار أن العلم ــ وليس حياتنا وخبراتنا الشخصية ــ هى المعيار الوحيد لاكتشاف حقائق هذا العالم.
بخلاف الرؤية العلمانية، يمكن وصف الرؤية العلمية «بالنخبوية» فليس كل شخص يستطيع أن يكتشف العالم من خلال خبرته الشخصية ولكن وحدهم العلماء هم من يمكنهم اكتشاف حقائق العالم الدفينة ونقلها للبشرية. الملاحظة، طرق البحث، المعامل التقنية أو الاجتماعية، هى المصدر الوحيد للتعرف على هذا العالم المعقد.
ثالثا: الرؤية الروحانية للعالم: وهذه رؤية مختلفة تماما عن الرؤيتين السابقتين، فهى تدعو إلى مقاومة العلمانية والعلمية بالتأكيد على أن حياتنا وذواتنا والعالم من حولنا أكثر تعقيدا من فهمه فقط بخبراتنا أو بمناهجنا العلمية، هذه الرؤية تعتمد على الروحانيات والإيمان بقوى ما وراء الطبيعة لفهم العالم من حولنا. وفقا لهذه الرؤية فإن تاريخ البشرية مرتبط بما هو غير مرئى وليس بما هو مرئى ومن ثم فخبراتنا وذواتنا ليست مجرد ماكينات تدار آليا، ولكن أرواحنا هى من تتحكم، هى من تضفى على حياتنا معانى، ليس للحياة دورة واحدة ولكنها تقلبات يعجز العلم وحده عن تفسيرها. هذه الرؤية إذن لا ترفض العلم ولا ترفض الخبرات الشخصية كمصدر لفهم العالم ولكنها ترفض التسلط المادى والهيمنة على المعرفة الشخصية بشكل نخبوى. لا تتحيز هذه الرؤية لإله بعينه، أو لتفسير «ميتافزيقى» واحد، قد تستمد أرواحنا طاقتها من أرواح الأجداد، أو من انتقال أرواحنا فى شكل أجساد وكائنات مختلفة نباتية كانت أو حيوانية، الجبال قد تكون مصدرا للروح، الأشجار قد تتحكم فى طاقتنا ومعنوياتنا. ترى هذه الرؤية أن العالم المحكوم بالرؤيتين العلمية أو العلمانية لا يستطيع أن يبقى على آليته هذه حينما يتعرض لأحداث درامية، كزلازل أو براكين أو وفاة قريب، أو سقوط طائرة، فوقتها تتضاءل آليات العلم لتفسح المجال للروحانيات، الموت إذن ليس نهاية للحياة وليس فناء ولكنه مجرد «عبور» لعالم آخر أو لكائنات أخرى.
رابعا: الرؤية الدينية للعالم: وتتشابه هذه الرؤية مع نظيرتها الروحية من حيث الإيمان بقوى ما وراء الطبيعة وعدم التسليم أو الاقتصار على أطروحات العلم أو على تجارب الحياة الذاتية، ولكنها أكثر تشددا من الرؤية الروحية فى التحيز لحقيقة ميتافزيقية واحدة بعينها. فالخالق وحده هو معيار رؤية العالم من حولنا، لأنه هو الذى خلقنا وخلق هذا العالم، وبالتالى لو تعارض العلم مع كلام الخالق، فالأخير هو الحقيقة المطلقة. هذه الرؤية مرتبطة بالأديان الإبراهيمية الثلاثة (اليهودية، المسيحية، الإسلام) حيث هناك سردية لاهوتية كاملة لقصة العالم وقصة الخلق ينقلها رسول قائد أو شخصية خارقة للطبيعة إلى البشر الذين عليهم اتباعها. ترى اليهودية أن الرسل من إبراهيم وحتى موسى هم من نقلوا هذه السردية عن الخالق، بينما ترى المسيحية أن ابن الإله هو الذى نقل كلام الأب بل وقدّم نفسه فداء للبشرية، أما الإسلام فيرى أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو الذى نقل هذه السردية وهو الذى أتمّ الرسالة حتى ينتهى العالم وننتقل إلى عالم آخر. الرؤية الدينية مثلها مثل الرؤية الروحانية ترى أن الموت ليس فناء ولكنه «عبورا» ولكنها تقدم إجابة أكثر تحديدا عن هذا العبور فهو عبور من الأرض إلى السماء أو إلى جهنم!
ولنكمل قصة الحداثة فى المقالة القادمة
أحمد عبدربه، أستاذ مساعد العلاقات الدولية الزائر، جامعة دنفر.
الاقتباس
كانت من أبرز ملامح هذه الفترة بدء تصالح الدولة مع الدين فى المجال العام بل ولاحقا فى المجال السياسى فانتشرت الأحزاب المسيحية الديمقراطية (كان الظهور الأول لها فى القرن التاسع عشر) لتحافظ على الجانب الروحى الحضارى لأوروبا المسيحية كمصدر للمبادئ العامة مع علمنة التشريع بشكل كامل فضلا عن التزام معظمها بمبادئ حرية السوق

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved