1917

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: السبت 15 فبراير 2020 - 8:25 م بتوقيت القاهرة

إلى متى تبقى الحرب العالمية الأولى أسيرة لدى السينما، وتبقى السينما أثيرة بها؟ ما الشىء الأخاذ الذى يجمع بينهما ويجعلهما دائما كشريكين لا ينفصلان أبد الدهر؟! أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال الكبير تحتاج لوقفة، خاصة أن السينما بأبهى صورها لم تتوقف عن محاكمة تلك الحرب ومن تسببوا فيها وكأنها تزف مجرما وسط أبناء عشيرته، سرق الأحلام والسلام والطمأنينة.. سرق الحياة من أمم ما زالت تعانى من راح تلك الحرب حتى اليوم. ويأتى فيلم «1917» ليذكرنا بمأساة بشرية أخرى خلفتها تلك الحرب، من واقع قصة إنسانية بسيطة فى أحداثها، عميقة فى مجريات سردها وتفاصيلها وفلسفتها ورسالتها، حيث قدم لنا المخرج والمؤلف سام ميندز واحدا من أعظم أفلام الحرب فى تاريخ السينما العالمية.. وأعترف أن الفيلم كان بمثابة المفاجأة بالنسبة لى، جاء أروع فنيا مما تخيلت على الرغم من معرفتى السابقة بأعمال المخرج سينمائيا عبر «الجمال الأمريكى، سبيكتر، سكايفول» «1917» يبدأ عبر لقطة أولى بدت «وان شوط» حكاية الجنديين الإنجليزيين بليك (دين تشارلز تشابمان) وشوفيلد «جورج ماكاى»، وهما يجلسان تحت ظل شجرة وقد استيقظا من غفوتهما حين يتم استدعاء «بليك» إلى مقر القائد، « كولن فيرث» ويُطلب منه أن يصطحب زميلا له. فاختار زميله «سكوفيلد»، وذهبا للقائد ليجدا مفاجأة كبرى، حيث يكلفهما القائد بمهمة إرسالهما إلى أحد الفيالق التابعة للجيش والتى تتمركز بالقرب من خطوط العدو وعليهما أن ينقلا رسالة إلى قائد الفيلق «بنديكت كومبرباتش» ليُلغى هجومه قبل الفجر لأنه سيتعرض لمكيدة دبَرتها لهم القوات الألمانيَة لتُوقع بالفيلق كلَه، حيث إن الألمان تظاهروا بالانسحاب ويستعدون لكمين لأكثر من 1500 جندى بريطانى، ونعرف أنه تم اختيار «بليك» لوجود دافع شخصى هو أن أخاه أحد ضباط الفيلق سيهلك هو الآخر إنْ لمْ يسرع لتنبيهه قبل بلوغ الفجر. هنا وفى هذه اللحظة يجد الجنديان نفسيهما فى ورطة كبيرة؛ فكيف لهما أن يعبرا أراضى العدو الألمانى ليصلا إلى الفيلق المنشود؟! القائد قال بأن الأراضى التى سيعبرونها قد تركها الألمان، لكن عليهما أن يظلا حذرَيْن فلا أحد يعرف ما يقابلان من مخاطر وويلات، وهو ما واجههما بالفعل. منذ المشهد الأول وأنت تدرك أنك أمام عمل قوى شديد الحرفية فى صورته، والكاميرا تصاحب الجنديين ومن على جانبيها نستكشف جنود وضباط المعسكر فى حالة انتظار، إما موت وإما حياة وهى لحظة أكثر قسوة من ساحة المعركة وويلاتها نفسها، حيث تنزلق الكاميرا عبر الخنادق الضيقة، وتحوم فوق مستنقعات من المياه المتناثرة بجثث الموتى، وتطفو فى الحقول الواسعة فى لحظات التوتر. العمل بأحداثه الملحمية يدين الحرب بقوة، ويُعلى من قيمة الوفاء للحياة والصداقة والتضحية أيضا من خلال دراما رحلة الجنديين، التى سمعها ميندز من جده، عن تجربة معيشية حيث خدم فى الحرب، فالسيناريو هنا بنى على حكاية وليس رصدا لحدث تاريخى، وتلك عظمة العمل الإنسانية والفكرية، التى صاحبها حوار قليل بالكلمات وصورة أكثر تعبيرا فى واقعيتها، مكتفيا بتعبير الوجوه والعيون ولحظات الترقب والخوف التى تخترق مشاعرك وتضعك فى قلب معركة تدينها مع كل خفقة قلب.

السيناريو رسم بعناية فائقة، تلك اللحظات التى ألقى فيها القدر بطلى العمل فى عالم المخاطر، مرورا بيأس الجرحى ودعائهم ليعودوا إلى أرض الوطن، فى شبه أغنية جنائزية عبر عنها بمشهد رائع فى الرحلة، كانت هناك لقطات إنسانية وسط أصوات الرصاص، نجد «سكوفيلد» وهو يضحى بآخر ما عنده من زاد لأجل طفل صغير يبكى بين أحضان أمه، ونراه كيف أنقذ جنديا ألمانيا مصابا من الأعداء على الرغم من أن هذا المصاب عاد وقتل من أنقذه. الصورة التى قدمها روجر ديكينز، والإضاءة بتقنيتها المذهلة والمكياج والموسيقى واختيار مواقع التصوير، كانت مفردات خالدة بسينماها فى هذا العمل، وقد انصهرت بالكامل مع النص.

لقطة بعد لقطة، مستمدا من الأرض والعناصر الطبيعية، أهم خصائصه: تراب، خضرة، مياه، نار، عتمة، وخاصة فى مشهد نرى فيه «سكوفيلد» وهو يمر عبر طرقات كاملة تشتعل بالنيران أرضا وسماء، وقد تشكل الكون بألوان النيران وكأنَه أمام جهنم حقا، فالنيران تملأ الشاشة ثم نرى نافورة منهكة تتشكَل بخلفيَة النيران على هيئة صليب، أما المونتاج فكان مدهشا، تأسرك اللقطات حتى آخر نفس، فلا وجود لأى حشو أو تفصيله زائدة، وبقيت الكاميرا هى عين المشاهد ترصد وتتنفس هذا العالم القاسى، مستخدما ما يسمى بـ«وان شوط» لأكثر من نصف الساعة، ليحقق المعايشة الكاملة وهى مسألة صعبة.. عنصر التمثيل كان فائقا للغاية، عبر مشاعر صادقة وإحساس تلقائى مرهف وليد اللحظة، لدرجة التوحد مع المشاهد، وخاصة مع الجنديين اللذين جسدهما ببراعة جورج ماكاى، دين تشارلز شابمان، وقد برعا فى توصيل رؤية المخرج، تماما، وقد ركض ماكاى بالكاميرا وبنا وسط الأهوال فى ساحة المعركة، لدرجة أننى كثيرا ما وجدت نفسى جالسا فى لحظة تشبه الرهبة، منهكا، متأثرا بلحظات التأمل، وقد تحول من بطل متردد إلى رجل يمثل شجاعة ملايين الجنود الذين ماتوا فى الحرب العالمية الأولى.. جيل كامل ضائع.

إنه فيلم ساحر، وتجربة لن تتبخر فى عقلك قبل وقت طويل، بقضيته الأخلاقية، يختلف عن أعمال الحرب الأخرى كفن ومعنى وفاق أعمال مثل «إنقاذ الجندى رايان»، «دنكرك» و«الخيط الأحمر الرفيع».. إنه شهادة سينمائية للبشرية الفاجعة التى بحاجة ماسة للعلاج من شهوة الدمار عبر كل الحروب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved