من إيران إلى فنزويلا.. وبالعكس

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 11 فبراير 2026 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن هناك خلطًا فى عنوان هذا المقال، حيث إن البداية كانت فى فنزويلا من حيث الغارة العسكرية الأمريكية التى أدت إلى اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو والسيدة قرينته فى 3 يناير 2026 وتقديمهما إلى المحاكمة فى مدينة نيويورك على خلفية اتهامات أمريكية، مع 14 مسئولًا فنزيليًا آخر، بتسهيل تهريب المخدرات إلى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وأن الدور الآن قد يأتى على إيران لتلقى تدخل عسكرى أمريكى، كما تشير غالبية التقديرات، إلا أن المقصود هنا كنقطة بداية هو الحرب الإسرائيلية على إيران فى يونيو 2025، والتى شاركت الولايات المتحدة الأمريكية فى يومها قبل الأخير من خلال غارات جوية للطيران العسكرى الأمريكى على مواقع نووية إيرانية.

 


فمنذ الحرب على إيران فى يونيو 2025، تزايدت أشكال التعبير وارتفعت نبرة الحديث عن نزعة تدخلية أمريكية فى شئون عدد من بلدان الجنوب العالمى الأخرى تحت ذرائع مختلفة، وبدا للكثيرين، داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، سواء فى صفوف حلفائها أو أصدقائها أو منافسيها أو أعدائها، أن الإدارة الأمريكية الجمهورية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب أتت هذه المرة إلى سدة الحكم فى واشنطن، وهى تحمل جدول أعمال متسارع الوتيرة ويستهدف سباق الزمن من أجل فرض "أجندة" دولية تقرر وتكرس الهيمنة لواشنطن، سواء على صعيد المسائل والقضايا والاحتياجات العالمية الأساسية، إن أمكن لها تحقيق ذلك، أو على أقل تقدير على الدول والمناطق التى تستطيع واشنطن فيها ومعها فرض هذه الهيمنة، إما دون مقاومة تذكر أو بأقل التكاليف والخسائر الممكنة.
وكان من الواضح أنه فى القلب من تلك الأجندة هو السيطرة على الثروات والموارد الطبيعية التى يحتاجها العالم، والتى قد لا تكون الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها فى حاجة إليها اليوم بالضرورة لأنها تمتلك منها داخل حدودها ومياهها الإقليمية ما يكفيها وما يفوق احتياجاتها، لكنها تحتاج إلى السيطرة عليها والتحكم فى مساراتها، أولًا حتى لا تكون فى متناول أيدى خصوم واشنطن وأعدائها، وثانيًا حتى تكون تحت تصرف الولايات المتحدة الأمريكية فى المستقبل إذا ما نشأت الحاجة إليها قى ضوء التطورات الاقتصادية والتكنولوجية والمتسارعة بشكل غير مسبوق فى تاريخ البشرية المعروف لدينا، وفى المقدمة من تلك الموارد والثروات بالطبع هو النفط ومشتقاته.
فقد استمرت الانتقادات والاتهامات والتلويح بالتهديدات من جانب الإدارة الأمريكية تجاه إيران، حتى بعد وقف إطلاق النار فى حرب يونيو 2025، سواء جاء ذلك أحيانًا بشكل منفرد أو أحيانًا أخرى عبر بوابة التعاون والتشاور والتنسيق مع تل أبيب، بل وفى بعض المناسبات فى شكل إعلانات مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتزامن مع ذلك تصعيد أمريكى تجاه فنزويلا وصل إلى حد فرض ما يشبه الحصار البحرى عليها واعتراض سفن وناقلات نفط تحمل النفط الفنزويلى والاستيلاء عليها وتوجيهها للرسو فى الموانئ الأمريكية، وصولًا إلى عملية اختطاف الرئيس الفنزويلى وزوجته فى 3 يناير 2026. كما تخلل ذلك تهديدات من الرئيس الأمريكى بالتدخل فى نيجيريا بحجة عدم رضاه عن الطريقة التى تعاملت بها حكومتها مع محتجين ومعارضين من مواطنيها.
وبالتأكيد كان المشترك بين هذه البلدان الثلاثة، إيران وفنزويلا ونيجيريا، هو امتلاكها كميات ضخمة من الاحتياطيات العالمية من النفط التى تشكل رصيدًا لا ينضب للمستقبل، سواء لتلك البلدان ذاتها أو لغيرها من بلدان العالم التى قد تحتاج إلى هذه الأرصدة الاستراتيجية أو قد تطمح للسيطرة عليها فى المستقبل القريب أو البعيد، بالإضافة إلى ما تنتجه أصلًا هذه البلدان حاليًا وما تصدره للعالم الخارجى من نسب مرتفعة من الإنتاج العالمى للنفط ومشتقاته، وكذلك بقية ما لدى هذه البلدان من ثروات طبيعية ومعدنية أخرى متنوعة وكثيرة، كما أن هذه البلدان كانت إما تقبع فى خندق مناوئ لواشنطن وعلى علاقات قوية مع بعض خصوم واشنطن ومنافسيها على الساحة الدولية أو أنها ليست قابعة تمامًا تحت السيطرة والهيمنة الكاملة للولايات المتحدة الأمريكية. ويكفى العودة إلى تصريح للرئيس الأمريكى ترامب فى عام 2023، أى قبل انتخابه فى نوفمبر من عام 2024 لدورة رئاسية جديدة، عندما ذكر أنه خلال فترة رئاسته الأولى (2017 - 2021) كان حكم الرئيس مادورو فى فنزيلا على وشك السقوط، وأن الولايات المتحدة كانت ستسيطر فى هذه الحالة على فنزويلا وستتحكم فى النفط الذى تنتجه أو تمتلكه كراكاس.
ومنذ اختطاف الرئيس مادورو وزوجته، تزايد التركيز الأمريكى على إيران وتضاعفت الاتهامات والتهديدات لطهران بالتداخل الأمريكى، ومن الصحيح أن بعضًا مما أعطى التبرير والذريعة لتزايد وتيرة هذه الاتهامات والتهديدات هو حالة المظاهرات والاحتجاجات الشعبية داخل إيران، والتى عبرت عن غضب قطاعات من الشعب الإيرانى إزاء أوضاع معيشية وحياتية تعانى منها منذ سنوات، وعن هموم راهنة وتطلعات للأفضل فى المستقبل، وكذلك ما واجهت به السلطات الإيرانية فى حالات عديدة تلك الاحتجاجات من لجوء إلى استخدام العنف بدرجة أو أخرى.
ومن الصحيح أيضًا أن لدى واشنطن شواغل متنوعة وكثيرة تجاه السلوك الإيرانى الخارجى، بل ومنذ انتصار ثورة فبراير 1979 فى إيران، مثل الاتهام بالسعى لتصدير الثورة الإيرانية للخارج، ودعم شبكة من التنظيمات المسلحة المناوئة لواشنطن ولتل أبيب ولبقية حلفاء واشنطن فى المنطقة، وهى الشبكة التى تشمل حركات فلسطينية مثل حركة حماس، خاصة فى قطاع غزة، و«حزب الله» فى لبنان وجماعة الحوثيين فى اليمن وعدد من التنظيمات الشيعية المسلحة فى العراق، وكذلك الاتهام بالسعى لتدمير إسرائيل والقضاء عليها، بالإضافة إلى الاتهامات الخاصة بالسعى نحو تطوير قدرات نووية عسكرية وكذلك قدرات صاروخية متقدمة، وذلك ضمن قائمة طويلة من الاتهامات والملاحقات الأمريكية الموجهة ضد الحكم الحالى فى طهران.
وسوف تجيب الأيام والأسابيع المقبلة وحدها على كل ما هو مطروح من تساؤلات بشأن العديد من الأمور المتصلة بالخطوة الأمريكية القادمة تجاه إيران، وهل ستتواصل عملية البناء العسكرى للتحضير لضربة عسكرية أو تدخل عسكرى أمريكى فى إيران، خاصة فى ضوء إجراءات عملية واضحة جرت فى هذا السياق على مدى الأسابيع الماضية أم تنجح جهود مصرية وعربية، خاصة خليجية، فى نزع فتيل الأزمة والحيلولة دون المزيد من التصعيد وتجنب الخيار العسكرى كليةً، وإذا ما نجحت هذه الجهود فما هو المقابل التى سترتضيه واشنطن من طهران، والتى ستكون الأخيرة على استعداد لدفعه للوصول إلى هذه التسوية، وهل ستكون مثل تلك التسوية مؤقتة أم نهائية؟ هذه بعض من أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved