عن الحرب والمقاومة والبشر.. أبطال وأوغاد

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي

آخر تحديث: الأربعاء 11 مارس 2020 - 8:15 م بتوقيت القاهرة

فى الشريط السينمائى «ناصر ٥٦» لخص كاتب السيناريو الراحل «محفوظ عبدالرحمن» تأميم قناة السويس على أنها مسألة كرامة للمصريين العاديين، الذين كتب عليهم أن يخسروا إذا لعبوا مع ابن العمدة.. وأن يضربوا إذا دخلوا فى مشادات.. حتى إذا فكروا أن يمشوا بجوار الحائط لتجنب المشكلات لن يتركوا فى حالهم.
بتضحيات أبنائها، الذين هرعوا لحمل السلاح فى مواجهة العدوان الثلاثى، البريطانى ــ الفرنسى ــ الإسرائيلى عام (1956)، رفعت مصر رأسها واكتسبت استقلال قرارها الوطنى.
لا تصنع بطولات البشر العاديين فى فراغ تاريخ، أو فراغ معنى.
هكذا تبدت بطولة فتاة صغيرة، تجاوزت بالكاد الخامسة عشر من عمرها.
انضمت للمقاومة الشعبية، نقلت رشاشات وقنابل للفدائيين، مرت بثبات أعصاب بين تمركزات ودوريات قوات الغزو فى مدينتها «بورسعيد» وهى تدفع أمامها عربة صغيرة تحمل طفلا رضيعا، ابن شقيقتها، دون أن يخطر ببال أحد أنها تخفى أسلحة ومعدات، وساعدت فى إخفاء الضابط البريطانى «مور هاوس» ابن عمة ملكة بريطانيا، الذى أسره الفدائيون، وكانت تلك ضربة معنوية هائلة لقوات الغزو.
لخصت تجربة «زينب الكفراوى»، التى رحلت قبل أيام، بطولة الإنسان العادى وقدرته على اجتراح ما يشبه المعجزات دفاعا عن حرية بلده وحقه فى اكتساب قراره الوطنى.
وجدت بطولة «زينب» تجسيدها الدرامى فى رواية «ليلة القبض على فاطمة» لـ«سكينة فؤاد»، التى تحولت لشريط سينمائى لعبت بطولته «فاتن حمامة».
نسبت الرواية الأعمال الفدائية التى قامت بها «زينب» إلى «فاطمة» قبل أن تنسج المؤلفة رؤية درامية مختلفة لما يمكن أن يفعله الأوغاد بإرث البطولة.
فى الرواية حاولت «فاطمة» بتضحيتها إخفاء جبن وتخاذل شقيقها الأصغر «جلال طاهر»، الذى انهار تماما قبل الاضطلاع بمهمة كلف بها لنقل الأسلحة للفدائيين، قامت بالمهمة ونسبتها إليه.
بعد الحرب صعد نجم «البطل المزيف»، ارتقى داخل التنظيم السياسى والمجلس النيابى، لكن ماضيه الحقيقى طارده، حاول أن يخفيه، أن يخرس الحقيقة، اتهم البطلة الحقيقية بالجنون حتى لا يصدقها أحد إذا ما تكلمت.
لم تكن تلك قصة «زينب الكفراوى»، استوحيت بطولتها فى سياق درامى ينتسب إلى خيال مؤلفته لإبراز التناقض بين الذين يضحون بلا أوسمة والذين يحصدون بلا استحقاق.
فى ثمانينيات القرن الماضى تصور كثيرون أن الشريط السينمائى عمل معاد لثورة (23) يوليو، المؤلفة نفت أن يكون ذلك قصدها فهى «بنت الثورة» كما قالت.
عن نفس الرواية أنتج مسلسل تلفزيونى من إخراج «محمد فاضل» أقرب موضوعيا للبطلة الحقيقية، التى ظلت حتى نهاية رحلتها فى الحياة تنسب نفسها إلى ثورة يوليو.
بغض النظر عن التوجهات المتناقضة فى العملين الدراميين فإن المعنى واحد وهو أن هناك من يحاول السطو على إرث التضحية وتوظيفها لغير مقصدها.
بفضل تضحيات جيل «زينب الكفراوى» فى ميادين القتال بدت مصر أمام «الباب المفتوح» ـ وفق رواية الدكتورة «لطيفة الزيات» عن تلك الفترة والروح التى بثتها.
جرت أحداث الرواية بين عامى (١٩٤٦)' حيث ولد جيل جديد صاغت تجربته حقائق ما بعد الحرب العالمية الثانية و(١٩٥٦) حيث ألهمت حرب السويس روحا استقلالية وتحررية ونظرة مختلفة لقضية المرأة، كما لخصتها «ليلى» بطلة النص الروائى، التى تمردت على قيودها ونظرة المجتمع إلى دور المرأة، واكتسبت حقها فى الحرية بالانضمام إلى الفدائيين فى بورسعيد إسعافا لجرحى وتضميدا لآلام.
«أردت أن أقول إن طريق الخلاص هو بالارتباط بقضايا أكبر يجد الإنسان نفسه فيها» ـ كما قالت المؤلفة.
باستثناء أعمال أدبية شحيحة وشهادات متناثرة لم تكتب قصة جيل الحرب والمقاومة فى بورسعيد كما تستحق، ولا سجلت تجربة الفدائيين فى الإسماعيلية قبل جلاء القوات البريطانية كما يجب.
إنها تجربة إنسانية واحدة، إرث وطنى مشترك بتوقيت متقارب يجسد بطولة الإنسان المصرى العادى.
أهم الأعمال الأدبية، التى سجلت روح تجربة الفدائيين فى الإسماعيلية، قصة قصيرة كتبها «يوسف إدريس»، ضمن مجموعة «جمهورية فرحات»، حملت اسم «قصة حب».
لم تكن قصة حب اعتيادية فى وقت تقاربت فيه احتمالات الموت مع فرص النجاة.
عدل «صلاح أبو سيف» ابن نفس الجيل والتوجه اسم الشريط السينمائى، الذى أخرجه عام (١٩٦٣) عن قصة «يوسف إدريس»، إلى «لا وقت للحب»، مجسدا لحظة فارقة فى التاريخ المصرى بكل تضحياتها ومشاعرها.
القصة حقيقية وبطلها شاب كان يدرس الطب فى جامعة الإسكندرية قبل تخرجه عام (١٩٥٣) اسمه «حمزة محمد البسيونى»، قدر له أن يعيش إلى ما بعد التسعين من عمره، رحل فى صمت ونعته أسرته فى صفحة وفيات بكلمات مقتضبة.
قصة «حمزة»، هى قصة واحد من أفضل الأجيال المصرية فى التاريخ الحديث ـ حلم وبذل وضحى دون أن ينتظر ثمنا.
كاد أمير القصة العربية القصيرة أن يتماهى مع بطله، حين استمع إلى تجربته بأدق تفاصيلها السياسية والإنسانية داخل زنزانة واحدة ضمتهما فى معتقل أبو زعبل عام (١٩٥٤) إثر الصدام بين ثورة «يوليو» وتنظيم «حدتو» اليسارى.
ذهب «حمزة» إلى المعتقل فى عصر حلم به وقاتل من أجله ودافع عنه بعد أن انقضت أيامه.
ترى ماذا كان مصير «شكرى»، الذى وشى فى العمل الدرامى بـ«حمزة» ورفاقه من الفدائيين للبوليس السياسي؟
على الأغلب ـ دون أن تكون هناك معلومات ـ أنه صعد فى سلطة جاءت بها ثورة خانها.
يكاد «شكرى» فى «لا وقت للحب» أن يكون وجها مماثلا لـ«جلال طاهر» فى «ليلة القبض على فاطمة».
«الثورات يصنعها الشجعان ويجنيها الجبناء» ـ كما قال ذات مرة «أرنستو تشى جيفارا».
مع ذلك فإن القضايا الكبرى تنتدب دوما من يدافع عنها ويضحى من أجلها، هم الذين يعطون للحياة معناها ويسبغون على الأوطان كبريائها.
بعد هزيمة «يونيو» (1967) هب جيل جديد يعلن المقاومة.
مطلع سبعينيات القرن الماضى اكتسبت مسرحية «البعض يأكلونها والعة» شعبية كبيرة وسط الحركة الطلابية المصرية.
خاطبت غضبهم وتبنت نظرتهم، حيث المفارقات فادحة بين جبهة القتال وأوضاع الداخل.
تندرج المسرحية تحت ما يسمى بـ«الكباريه السياسى» ـ مجموعة اسكتشات متعاقبة تبرز حجم التناقض.
بين كل اسكتش وآخر كانت تظهر فى الخلفية صورة الفريق أول الشهيد «عبدالمنعم رياض»، وكان التصفيق مدويا فى كل مرة.
من مفارقات التواريخ أن ترحل «زينب الكفراوى» فيما تهل علينا ذكرى «يوم الشهيد»، وهو اليوم الذى استشهد فيه «رياض» رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية فى سنوات حرب الاستنزاف بالمواقع الأمامية لجبهة القتال، كأنها رسالة تحية من قلب مصر لمعنى بطولتها، بطولة المواطن العادى.
أفضل ما قيل فى وصف بطولات أكتوبر أن الإنسان المصرى العادى هو بطل الحرب. غير أن بطل أكتوبر لم يكن ـ من ناحية تدقيق المعانى والألفاظ ـ إنسانا عاديا، بل جيلا كاملا صهرته تجربة القتال، وصاغت منه تجربة فريدة.
الفارق واضح بين نسبة النصر إلى الإنسان العادى المجرد، أو إلى صفات إيجابية مطلقة فى الشخصية المصرية، وبين نسبته إلى جيل بعينه، وإلى وعى بعينه، وإلى بنى ثقافية وسياسية ونفسية بعينها.
إنه الفارق بين المطلق والتاريخ.
أغلب الذين قاتلوا فى (١٩٧٣) بعد ست سنوات فى الخنادق، أو فى معسكرات التدريب، أو فى مهمات قتالية أثناء حرب الاستنزاف، من خريجى الجامعات المصرية، الذين أتاحت مجانية التعليم الفرصة أمامهم لاكتساب معارف العصر.
جيل الحرب هو نفسه جيل الثورة ومجانية التعليم والحق فى الثروة الوطنية.
المأساوى فى قصة هذا الجيل أنه أرجأ طموحاته وحياته إلى ما بعد انتهاء الحرب، غير أنه عندما عاد من ميادين القتال، وجد أن ما قاتل من أجله قد تبدد، وأن عليه دفع ثمن سياسات الانفتاح الاقتصادى التى دشنت عام (١٩٧٤) من مستقبله الاجتماعى والإنسانى.
كانت تلك مصادمة جديدة فى بلد لا يكف عن انتاج الأبطال رغم الأوغاد الذين يحاولون دوما إجهاض أى معنى للتضحية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved