مع تنافس القوى العظمى فى أفريقيا.. على الولايات المتحدة التفكير بشكل إقليمى


دوريات أجنبية

آخر تحديث: الخميس 11 مارس 2021 - 7:40 م بتوقيت القاهرة

نشرت مجلة فورين أفيرز مقالا للكتاب ماركوس هيكس وكيل أتويل ودان كولونى، يرون أن أفضل استراتيجية يجب على الولايات المتحدة انتهاجها فى ظل تنافس القوى العظمى فى أفريقيا هو وضع استراتيجيات تقسم القارة إلى مناطق بدلا من التعامل مع كل دولة على حدة.. نعرض منه ما يلى.

فى عهد ترامب، سحبت الولايات المتحدة قواتها ومواردها من أفريقيا كجزء من استراتيجية الولايات المتحدة التحول من مكافحة الإرهاب إلى منافسة القوى العظمى على أساس أن مكافحة الإرهاب والأولويات الأمريكية الأخرى فى أفريقيا سوف تتضاءل أهميتها مع اشتداد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وقوى أخرى. ولكن هذا الافتراض خاطئ. فأفريقيا ستكون مسرحا مهما لمنافسة القوى العظمى. وهذا التنافس بين القوى العظمى سيزيد من حاجة الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب وحماية التجارة فى أفريقيا.
تحتاج إدارة الرئيس جو بايدن إلى استراتيجية جديدة تحقق هذه الغايات بصورة مستدامة وتكلفة مقبولة. يجب على الولايات المتحدة أن تبدأ بالتفكير على المستوى الإقليمى بدلا من التفكير على المستوى الوطنى لحماية مصالحها فى القارة والحد من نفوذ منافسيها، إلى جانب استخدام منسقين إقليميين تتجاوز سلطتهم الحدود الوطنية. من أجل ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تجعل نفسها شريكا مفضلا للبلدان الأفريقية فى زمن المنافسة بين القوى العظمى، وعدم القيام بذلك سيعرض المصالح الأمريكية فى القارة للخطر، وربما أمن الولايات المتحدة فى الداخل.
شئنا أم أبينا «صراع القرن الحادى والعشرين من أجل أفريقيا» يحدث على أرض الواقع. تعمل روسيا والصين بالتحديد على تكثيف النشاط الاقتصادى والعسكرى فى القارة فى نفس الوقت الذى تتراجع فيه الولايات المتحدة.. وسعت روسيا بشكل كبير من تواجدها فى أفريقيا فى السنوات الأخيرة، حيث وقعت صفقات عسكرية مع 19 دولة على الأقل منذ عام 2014 وأصبحت أكبر مورد للأسلحة فى القارة. بعد أيام قليلة من إعلان الولايات المتحدة عن خططها للانسحاب من الصومال فى ديسمبر 2020، قالت روسيا إنها توصلت إلى اتفاق لإنشاء قاعدة بحرية جديدة فى بورتسودان. شركات المرتزقة التابعة لها، بما فى ذلك مجموعة فاجنر، التى خاضت معركة دامية ضد قوات العمليات الخاصة الأمريكية فى سوريا فى عام 2018، تعمل الآن فى جميع أنحاء القارة.
الصين أيضا تسعى للحصول على نفوذ فى أفريقيا. فأنشأت أول قاعدة عسكرية خارجية لها فى جيبوتى فى عام 2017 وتنفق مبالغ طائلة على مشاريع البنية التحتية لتأمين الوصول إلى الموارد ولشراء الأصوات فى المنظمات الدولية. روج قادة الصين للنظام البيروقراطى الاستبدادى فى بلادهم كنموذج للقادة الأفارقة الذين يسعون لتوسيع اقتصاداتهم دون إصلاحات ديمقراطية، إلى جانب سياسات الإقراض الجذابة التى تمنح الصين تأثيرا أكبر.
يعمل الوجود الصينى والروسى على تحويل القارة إلى ساحة لمنافسة الولايات المتحدة، وقد ينتج عن هذا حروب بالوكالة. قد تفضل الولايات المتحدة تجنب التورط فى حروب أفريقية بالوكالة، ولكن يجب أن تكون مستعدة لمثل هذه الصراعات. على سبيل المثال، أصبحت ليبيا مسرحًا لحرب بالوكالة بين روسيا وتركيا ودول أخرى تدعم أطرافًا متعارضة، وتحولت الحرب الأهلية الدامية إلى حرب بالوكالة. وعلى الرغم من الدور الهامشى لأمريكا فى الصراع، إلا أن ذلك لم يمنع روسيا من إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار فوق ليبيا عام 2019.
لا يمكن للولايات المتحدة الانسحاب من أفريقيا وترك مصالحها مهددة. فحركات التمرد الإرهابية ــ المرتبطة معظمها بداعش والقاعدة ــ واستهدافهم لأهداف غربية وعدم الاستقرار السياسى والاستبداد يهددون الشركات الأمريكية والمصالح التجارية وأمن شركاء الولايات المتحدة. وتمثل الشعوب الأفريقية التى تعانى من الفقر والجوع والمرض هدفا سهلا للتجنيد.
لحسن الحظ، تجمع الولايات المتحدة والدول الأفريقية مصلحة مشتركة فى مواجهة الجماعات الإرهابية. وبتقديم مساعدة مستدامة وفعالة لمكافحة الإرهاب، يمكن للولايات المتحدة أن تصبح الشريك المفضل للدول الأفريقية، وتشجعها على تطوير اقتصاداتها وأنظمتها السياسية وفقًا للمعايير الغربية. تعتمد المنافسة الناجحة بين القوى العظمى فى أفريقيا على قدرة الولايات المتحدة كسب الحكومات الأفريقية من خلال استراتيجية شاملة لمكافحة التمرد، استراتيجية تعالج الأسباب الجذرية للإرهاب وتضع الأسس السياسية والاقتصادية والتنموية للاستقرار والازدهار فى المستقبل.
يعتمد نهج الولايات المتحدة تجاه أفريقيا على السفراء ليكونوا صانعى القرار الأساسيين. ولكن السفراء ليس لديهم القدرة ولا الحافز للنظر خارج حدود البلدان المضيفة والانخراط مع المنظمات الإقليمية أو معالجة المشاكل العابرة للحدود، مثل الجماعات المتمردة الإرهابية. فتنظيم القاعدة والجماعات التابعة لداعش فى أفريقيا يتحركون بحرية فى جميع أنحاء المنطقة ويشنون الهجمات. يجب أن تكون أى استراتيجية أمريكية لإضعاف الجماعات الإرهابية ومعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار ذات طبيعة عابرة للحدود.
يجب على الولايات المتحدة أيضًا معالجة قضايا التنسيق بين الدول التى تسمح للمتمردين بالهروب من الضغط العسكرى ببساطة عن طريق عبور الحدود الدولية، واستغلال مشاكل التنسيق بين الدول للتجول بحرية فى المناطق الحدودية. فى كثير من الأحيان، يفعلون ذلك على طول الحدود بين الدول التى لديها علاقات دبلوماسية أو عسكرية متوترة. على سبيل المثال، تعمل بوكو حرام على الحدود بين الكاميرون ونيجيريا، اللتين تملكان تاريخا طويلا من الصراع.
فشل نهج التعامل مع كل دولة على حدى، ودعا منتقدو هذا النهج إلى استراتيجية قارية شاملة. وبالفعل، فقد نشرت كل من إدارتى أوباما وترامب استراتيجيات للمشاركة على مستوى القارة، لكن لم تحدد أى منهما غايات أو وسائل محددة. ونتيجة لذلك، كانت مستويات الحكومة المختلفة حرة فى تفسير الاستراتيجيات على النحو الذى تراه مناسبًا. كانت وثائق أوباما وترامب مفيدة من حيث إنها قدمت أطرًا واسعة للمشاركة، ولكن الحقيقة هى أن احتياجات أفريقيا متنوعة ومعقدة للغاية بحيث لا يمكن معالجتها من خلال استراتيجية واحدة.
ما تحتاجه الولايات المتحدة ليس استراتيجية قارية شاملة، بل استراتيجية مصممة خصيصًا لمناطق معينة. وقد بدأت البلدان الأفريقية بنفسها فى اتباع هذا النهج. على سبيل المثال، ردا على الأنشطة المتطرفة المرتبطة بالقاعدة وداعش عبر منطقة الساحل، أنشأت خمس دول أفريقية مجموعة الساحل الخمس لتنسيق الأنشطة العسكرية وطلب المساعدة من الداعمين الدوليين. يجب على الولايات المتحدة أن تضع استراتيجيات إقليمية مماثلة لمنطقة الساحل، ومنطقة بحيرة تشاد، والقرن الأفريقى، وجنوب شرق أفريقيا، لكل منها أهداف محددة. يجب أن تعتمد الاستراتيجيات على وسائل غير عسكرية وأن تهدف إلى تحسين سبل الحكم والأمن، وبالتالى معالجة الأسباب الجذرية للتطرف.

إعداد: ابتهال أحمد عبدالغنى
النص الأصلي

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved