إدارة ترامب ومستقبل سيناء

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الخميس 11 مايو 2017 - 10:00 م بتوقيت القاهرة

تؤكد تقارير إخبارية وحكومية أمريكية مختلفة على أن التعاون الاستراتيجى الإسرائيلى ــ المصرى حول مواجهة الإرهاب فى شمال سيناء بلغ معدلات غير مسبوقة. وتشير هذه التقارير إلا أنه ومنذ منتصف عام 2013، وافقت إسرائيل على طلبات القاهرة بنشر معدات عسكرية وأعداد إضافية من الجنود تتجاوز المسموح به طبقا لبنود معاهدة السلام الموقعة بين الدولتين عام 1979. ولا تتوقف هذه التقارير عن الإشارة إلى السماح لإسرائيل بتحليق طائرات مسلحة بدون طيار لاستهداف إرهابيى تنظيم الدولة الإسلامية داخل سيناء.
أما إدارة ترامب فتمتدح هذا التعاون فى إطار رؤيتها الواسعة للتعامل مع ما تراه تهديدات كبيرة لمصالحها فى الشرق الأوسط. وعلى رأس هذه التهديدات مواجهة النفوذ الإيرانى المتصاعد فى الدول العربية وخاصة سوريا واليمن والعراق ولبنان، وترى واشنطن ترامب أن تعاون الدول العربية السنية مع إسرائيل هو أحد أهم أسلحتها لمواجهة إيران. ويضغط ويدفع ترامب الدول العربية لتبنى سياسات تقربها من عدوها التاريخى إسرائيل. ولا يكترث ترامب كثيرا للتفاصيل ولا يعترف بأهمية تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى، فقط ينظر للمنطقة من نظارة رجل الأعمال والمستثمر العقارى الذى يجد حلا توافقيا لأى معضلات جيو ــ استراتيجية عن طريق صفقات تتبادل بمقتضاها الأطراف أراضى ومصالح تعكس قوتها النسبية على الأرض. ويدرك ترامب أن العرب فى أسوأ لحظات ضعفهم فى التاريخ المعاصر مما جعل بعض المحليين يكتبون ويُنظرون لما يُطلق عليه اليوم فى أروقة واشنطن «تحالف عربى إسرائيلى».
***
خلال زيارته للبيت الأبيض الشهر الماضى، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى على دعمه للرئيس دونالد ترامب فى سعيه لحل قضية القرن، وقصد بها السيسى قضية الصراع العربى الإسرائيلى. إلا أن الكثيرين داخل الدوائر الأمريكية لا تعتقد أن أمام مصر ما تقدمه فى هذه الفترة الحرجة والصعبة من تاريخها، وذلك يرجع لسبيين رئيسيين: الأول يتعلق بضعف الاقتصاد المصرى وعدم استقراره واستمرار تدهوره ويتمثل ذلك فى إفراط القاهرة فى الاقتراض بلا حساب لتمويل كل ما تقوم به من مشروعات تنمية أو اقتناء نظم تسليح حديثة. ثانيا يتعلق باستمرار تدهور الأوضاع الأمنية فى شمال سيناء وامتدادها فى بعض الحالات لما وراء سيناء. وتمثل سيناء معضلة كبيرة لمخططى السياسة الأمريكيين لمعرفتهم وإدراكهم لأهميتها وخطورتها ولما يمكن أن توفره فى إطار حلول إقليمية لقضايا الصراع العربى الإسرائيلى. وتدرك واشنطن ترامب (التى يشغل أهم مناصب الإدارة الحالية المتعلقة بالشرق الأوسط رجال عسكريين) جيدا أن سلام مصر أو حربها مع إسرائيل يتوقف على تطورات الأوضاع داخل سيناء فصمود معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، التى تعتبر حجر الأساس للتصور الأمريكى للأمن الإقليمى فى الشرق الأوسط، يعتمد على أمن وتأمين سيناء، وامتداد سيطرة الحكومة المصرية إليها. وهكذا أصبحت سيناء وأمنها، بما لها من حدود مع إسرائيل تمتد 250 كيلو المعيار الأهم لحرب العرب أو سلمهم مع إسرائيل. وتهمس بعض الأصوات كذلك لتربط التصور الأمريكى بتطورات قضية تيران وصنافير الواقعتين عند مدخل خليج العقبة، وعلاقة ذلك بدور سعودى فى ترتيبات إقليمية أمنية قادمة.
***
تذكرنا تقارير مركز أبحاث الكونجرس الأخيرة المتعلقة بمصر باستمرار أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات لمصر مساهمة منها فى تأمين سيناء، وذكر تقرير حديث أن واشنطن «تدعم مصر فى تأمين سيناء عن طريق إمدادها بمعلومات استخبارية، بما فى ذلك من رصد مكالمات هاتفية ورسائل تبث عن طريق الراديو بين المشتبهين بالقيام بأنشطة إرهابية»، وذكر التقرير أيضا «أن واشنطن تطلع مصر على صور تلتقطها أقمار صناعية وطائرات تجسس أمريكية». إلا أن التقرير أشار أيضا إلى أن الولايات المتحدة ترصد كذلك أى تحرك للقوات المصرية داخل سيناء!
يدلل ما ذكره التقرير على أهمية شبه جزيرة سيناء للاستراتيجية الأمريكية. وينبع ذلك من كون سيناء ساحة قتال كل الحروب المصرية الإسرائيلية منذ 1948 وحتى 1973، كما تعكس عزلة سيناء الجغرافية، إضافة لموقعها الرابط بين دول مهمة مثل مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل والسعودية، بعدا آخر لأهميتها زاد منها وصول تنظيم حماس عام 2006 للحكم فى قطاع غزة الذى ألقى بدوره الضوء على محورية سيناء المجاورة.
***
خلال حضورى مؤتمرا لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى هذا الأسبوع كرر الجنرال المتقاعد جون كين رفض منصب وزير الدفاع ورشح بدلا منه الجنرال ماتيس وزير الدفاع الحالى، أن واشنطن قلقة من أخبار تعاون روسيا مع الجيش المصرى فى مواجهة الإرهاب فى سيناء، وحذر الجنرال كين من ضرورة عدم ترك الساحة لروسيا لتمتد وتنشر نفوذها فى مناطق النفوذ الأمريكى التقليدية.
يدرك جنرالات ترامب أن واشنطن خسرت علاقاتها مع القاهرة عندما خسرت مصر سيناء، وعادت العلاقات المصرية الأمريكية بعدما عادت سيناء لمصر. وتدرك أيضا أن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل تعد بمثابة الإنجاز الأكبر فى تاريخ الدبلوماسية الأمريكية فى الشرق الأوسط، فقد منعت المعاهدة، وما ترتب عليها من استرجاع مصر لسيناء الانجراف نحو مواجهة عسكرية عربية ــ إسرائيلية واسعة لأكثر من ثلاثين عاما، إلا أنهم يرونها اليوم حجر أساس جديدا لتسويات أكبر بالمنطقة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved