«الهروب» الكبير لعبد العزيز مخيون

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: الخميس 11 يونيو 2026 - 8:25 م بتوقيت القاهرة

ثمة علاقة خاصة ربطتنى بالفنان عبدالعزيز مخيون. فعلى فترات متفرقة من الرحلة كانت بيننا مكالمات هاتفية طويلة يفضفض خلالها بهدوء عما يؤرقه، ويطرح أفكارا يحلم من خلالها بمجتمع أكثر إنسانية وعدلا، متصالح مع العصر، قادر على هزيمة اليأس ومقاومة لحظات الألم التى تحاصرنا بين الحين والآخر.


كان لقاؤنا الأول خلال رحلة جمعتنا إلى إيران. تجولنا معا بين أروقة متحف السينما المثير للإعجاب، وهناك قال مخيون بأسى: «مصر تستحق متحفا كبيرا للسينما يليق بتاريخها وإرثها الفنى العظيم».

وشاهدنا أيضا البلاتوه الضخم الذى صُور فيه مسلسل «يوسف الصديق» بنيله ومسلاته وصروحه الفرعونية، فكان تعليقه السريع: «مصر أولى بتصوير مثل هذا العمل».


بهذه الروح تعامل عبد العزيز مخيون مع أدواره على الشاشة. فقد انتمى إلى مدرسة «التمثيل الصادق» أكثر من انتمائه إلى مدرسة «النجومية».

لم تكن قوته الحقيقية فى الكاريزما التقليدية أو الحضور الصاخب، بل فى قدرته على تحويل الشخصية إلى كائن حى نابض بالتفاصيل الإنسانية والفكرية، يحمل تناقضاته وأسئلته وهمومه الخاصة.


أتوقف دائما أمام أدائه لشخصية الضابط «سالم» فى فيلم «الهروب» للمخرج عاطف الطيب، ذلك الدور الذى يمثل إحدى العلامات الفارقة فى مسيرته الفنية.

ففى وقت اعتادت فيه السينما المصرية تقديم رجل الشرطة فى صورة نمطية تميل إلى الحدة أو القسوة، اختار مخيون أن يقدم شخصية أكثر تعقيدا وإنسانية.

لم يكن «سالم» مجرد ضابط يطارد «منتصر» الذى جسده أحمد زكى، بل كان رجلا ممزقا بين واجبه المهنى وإدراكه العميق للظروف الاجتماعية التى دفعت البطل إلى مصيره المأساوى.


تميز أداء مخيون فى هذا الدور بالهدوء والثقة الداخلية، فاعتمد على النظرات أكثر من الكلمات، وعلى الحضور النفسى أكثر من الحركة، وكان المشاهد يشعر أن الشخصية تفكر باستمرار، وتزن الأمور بعقلها قبل أن تتصرف، وهو ما منحها عمقا نادرا فى أفلام المطاردات والأكشن.


كما نجح فى بناء علاقة درامية استثنائية مع شخصية أحمد زكى، فلم تبدُ المواجهة بينهما صراعا تقليديا بين خير وشر، بل مواجهة بين رجلين يدرك كل منهما مأساة الآخر، ومن هنا جاءت قوة الأداء، إذ استطاع مخيون أن يجعل المشاهد يتعاطف مع الضابط بقدر تعاطفه مع الهارب نفسه.


كشفت هذه الشخصية عن واحدة من أهم سمات مخيون كممثل، وهى قدرته على تقديم السلطة من الداخل، لا باعتبارها رمزا مجردا، بل باعتبارها بشرا يحملون شكوكهم وأسئلتهم وصراعاتهم الخاصة، لذلك ظل الضابط «سالم» واحدا من أكثر أدواره نضجا وتأثيرا، ونموذجا واضحا لمدرسة الأداء الصامت التى ميزت مسيرته الفنية، فيمكننا القول بأن «سالم» أظهر بوضوح ما يمكن تسميته بـ«التمثيل بالعقل» عند عبدالعزيز مخيون، وهو أسلوب لازمه فى كثير من أدواره، لكنه تجلى بأبهى صوره فى «الهروب»، حيث قدم وجها مختلفا للسلطة فى سينما الثمانينيات والتسعينيات.


لم يكن هذا الدور سوى محطة بارزة ضمن رحلة طويلة من الشخصيات التى تركت أثرها فى الوجدان؛ وفى شخصية «طه السماحى» بمسلسل «ليالى الحلمية»، لم يكن بحاجة إلى خطابات مطولة كى يكشف ما يدور داخل الشخصية، كانت نظراته وحركة وجهه وإيقاع صوته كافية لنقل التردد والصراع النفسى والمرارة الداخلية. قدم الرجل باعتباره إنسانا يعيش أزمة وجودية حقيقية، تتجاوز حدود الحكاية الدرامية لتلامس أسئلة وطن وأجيال كاملة.


وتجلت موهبته كذلك فى تقديم الشخصيات المركبة والمتناقضة نفسيا، كما حدث فى «الشهد والدموع» من خلال شخصية «وحيد رضوان»؛ وهناك بدا وكأنه يمسك بالخيط الرفيع بين الخير والضعف والطموح الإنسانى، مقدما شخصية ثرية بالتفاصيل، بعيدة عن الأحكام المباشرة أو الأداء النمطى.


ومن أهم نقاط قوته أيضا قدرته على استيعاب البيئة الاجتماعية للشخصية؛ ففى «خالتى صفية والدير» بدا وكأنه ابن حقيقى للريف المصرى، ليس فقط عبر اللهجة، بل من خلال طريقة الحركة والنظر والكلام، كان ممثلا يعرف كيف يجعل الشخصية تنتمى بالكامل إلى عالمها الاجتماعى والإنسانى.


كما امتلك موهبة خاصة فى تجسيد الشخصيات التاريخية والفنية، وعلى رأسها شخصية الموسيقار محمد عبدالوهاب التى قدمها فى أكثر من عمل؛ لم يعتمد على التقليد الخارجى وحده، بل سعى إلى فهم روح الشخصية وطريقتها الخاصة فى التفكير والتعبير، وهو ما منح الأداء مصداقية كبيرة.


وفى مسلسل «بدون ذكر أسماء» أثبت قدرته على التنقل بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، مقدمًا شخصية تنتمى إلى عالم شعبى شديد التعقيد.

وهنا ظهرت خبرته الطويلة فى مراقبة البشر، إذ استطاع أن يلتقط أدق التفاصيل الإنسانية ويحولها إلى أداء طبيعى ومقنع.


رحل عبدالعزيز مخيون، لكن الفنان الذى جعل من الصمت لغة، ومن النظرة أداء، ومن الإنسان محورا لكل أدواره، سيظل حاضرا فى الذاكرة كأحد فرسان التمثيل الصادق.. وربما كان أجمل ما يختصر رحلة مخيون أن الضابط «سالم» ظل طوال الفيلم يطارد الهارب بحثا عن الحقيقة، بينما اختار صاحب الدور أن يقوم فى النهاية بـ«هروبه» الكبير والأخير من ضجيج الدنيا كلها، تاركا وراءه ما هو أبقى من الغياب: أثرا فنيا وإنسانيا يصعب تكراره.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved