حق الأداء العلنى.. ليس معركة أموال بل اختبارًا لمستقبل الصناعة
خالد محمود
آخر تحديث:
السبت 11 يوليه 2026 - 6:55 م
بتوقيت القاهرة
فى كل مرة يثار فيها الجدل حول الحقوق المالية فى المجال الفنى، ينقسم الوسط سريعًا إلى معسكرين: أحدهما يدافع عن حق الفنان فى الحصول على عائد عادل من عمله، والآخر يخشى أن تؤدى الأعباء الجديدة إلى إرباك صناعة تعانى بالفعل من تحديات اقتصادية وإنتاجية متزايدة. لكن قضية حق الأداء العلنى تستحق أن ننظر إليها من زاوية أوسع وأعمق من مجرد كونها خلافًا حول الأموال.
الحقيقة أن ما يجرى اليوم هو اختبار حقيقى لقدرة الصناعة الفنية المصرية على تحديث نفسها ومواكبة التحولات التى يشهدها العالم.
لقد تغيرت صناعة الترفيه بصورة جذرية خلال السنوات الأخيرة. فلم يعد الفيلم أو المسلسل يعيش فقط خلال فترة عرضه الأولى، بل أصبح عمره أطول بكثير بفضل القنوات الفضائية والمنصات الرقمية وخدمات البث المختلفة. هناك أعمال أُنتجت قبل عشرات السنوات وما زالت تحقق نسب مشاهدة مرتفعة وعوائد اقتصادية مستمرة. والسؤال المنطقى هنا: هل من العدل أن تستمر هذه الأعمال فى تحقيق الأرباح بينما لا يحصل كثير من الفنانين الذين شاركوا فى صنعها على أى عائد إضافى؟
من هنا جاءت فكرة حق الأداء العلنى، التى تقوم على مبدأ بسيط وواضح: أن الفنان ليس مجرد أجير ينتهى دوره بمجرد انتهاء التصوير، بل هو شريك فى القيمة الإبداعية للعمل الفنى، ومن حقه أن يستفيد من استمرار استغلال هذا العمل تجاريًا.
هذا المبدأ ليس بدعة، ولا اختراعًا مصريًا، بل هو جزء من منظومة متكاملة تطبقها دول عديدة باعتبارها إحدى أدوات حماية حقوق فنانى الأداء. ولذلك فإن مجرد مناقشة هذا الحق فى مصر يعد خطوة مهمة نحو تحديث البيئة التشريعية للصناعات الإبداعية.
لكن الاعتراف بالمبدأ شىء، وآليات التطبيق شىء آخر.
فالمخاوف التى يطرحها المنتجون لا يمكن تجاهلها أو التقليل منها. فالسينما والدراما المصريتان تواجهان ارتفاعًا فى تكاليف الإنتاج، وتغيرًا فى أنماط المشاهدة، ومنافسة شرسة مع المنصات العالمية. وأى التزامات مالية جديدة إذا لم تكن مدروسة جيدًا قد تؤثر فى مناخ الاستثمار وتحد من قدرة الصناعة على التوسع.
وفى المقابل، لا يمكن أيضًا مطالبة الفنانين بالانتظار إلى ما لا نهاية للحصول على حقوق أقرتها تجارب دولية عديدة، وأصبحت جزءًا من الاقتصاد الإبداعى الحديث.
لذلك فإن القضية ليست من ينتصر ومن يخسر، بل كيف يمكن أن يربح الجميع.
ما نحتاج إليه هو حوار هادئ وعقلانى يشارك فيه الفنانون والمنتجون والنقابات والخبراء القانونيون والجهات التشريعية، للوصول إلى صيغة تحقق ثلاثة أهداف رئيسية.
الهدف الأول: حماية حقوق الفنانين، خاصة أولئك الذين ساهموا فى صناعة أعمال خالدة ولم يجنوا من نجاحها المستمر أى عائد إضافى.
الهدف الثانى: الحفاظ على جاذبية الاستثمار فى القطاع الفنى وعدم تحميل المنتجين أعباء غير محسوبة قد تؤثر فى حجم الإنتاج وفرص العمل.
والهدف الثالث: بناء منظومة حديثة لإدارة الحقوق تقوم على الشفافية والوضوح والحوكمة، وتواكب التحولات الرقمية التى غيرت شكل صناعة الترفيه فى العالم.
إن صناعة الفن ليست ساحة صراع بين أطراف متنافسة، بل منظومة متكاملة لا يمكن أن ينجح فيها طرف على حساب الآخر. فالفنان يحتاج إلى المنتج، والمنتج يحتاج إلى المبدع، وكلاهما يحتاج إلى تشريعات عصرية توفر الاستقرار والعدالة.
ولهذا فإن حق الأداء العلنى يجب ألا يُنظر إليه باعتباره معركة جديدة على اقتسام الإيرادات، بل باعتباره فرصة لإعادة التفكير فى شكل الصناعة المصرية ومستقبلها.
الرهان الحقيقى ليس على من سيكسب هذه الجولة من الجدل، وإنما على قدرة الجميع على بناء نموذج يضمن حماية المبدعين، ويشجع الاستثمار، ويحافظ على قوة الفن المصرى فى زمن تتغير فيه قواعد اللعبة كل يوم.
إنها ليست معركة أموال.. إنها اختبار لمستقبل صناعة بأكملها.