من الإيمان إلى التريند.. رحلة مناظرات الظل

يوسف إدوارد
يوسف إدوارد

آخر تحديث: الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 6:40 م بتوقيت القاهرة

المناظرات الدينية على منصات التواصل مجرد نقاشات حول أفكار أو قضايا عقائدية لكنها تحولت فى كثير من الأحيان إلى مشهد يتكرر كل يوم. عنوان مثير ومقطع قصير واقتباس خارج سياقه، ثم تبدأ موجة من التعليقات والمشاركات وينقسم المتابعون سريعًا بين مؤيد ومعارض وكأنهم يتابعون مباراة لا حوار.

وسط هذا المشهد يفرض سؤالٌ نفسه: هل تصنع هذه المناظرات معرفة حقيقية أم أنها تصنع جمهورًا جديدًا للجدل؟

ما نشاهده اليوم لا يشبه دائمًا الحوار القائم على البحث عن الحقيقة بقدر ما يشبه سباقًا على لفت الانتباه. فالنجاح لم يعد يُقاس بعمق الفكرة وإنما بقدرتها على الانتشار وعدد المشاهدات التى تحققها وبقدرة صاحبها على إثارة رد فعل سريع.

لهذا يمكن وصف كثير من هذه المواجهات بأنها «مناظرات ظل»، فهى تدور فى محيط المعرفة لكنها لا تصل دائمًا إلى جوهرها وتنشغل بمن انتصر أكثر من اهتمامها بما إذا كانت هناك حقيقة أصلا.

أظن أن الإيمان فى جوهره لا يولد فى مقطع لا يتجاوز دقائق ولا يتشكل من عبارة مجتزأة أو من رد ساخر، بل إنه تجربة إنسانية أعمق من أن تختصرها خوارزمية صُممت لتكافئ المحتوى الأكثر إثارة.

وهذه المناظرات نادرًا ما تغير قناعة من يشارك فيها لكنها تنجح فى أمر آخر، وهو تكوين جماهير متحمسة لكل طرف ومع الوقت يصبح لكل معسكر مؤيدون ينتظرون إعلان الفائز، بينما يتراجع الاهتمام بالسؤال الأهم: ماذا تعلمنا؟

عند هذه النقطة تتحول المناظرة من وسيلة للبحث إلى وسيلة لبناء الانتماء، ولم يعد المطلوب من المتابع أن يفكر بقدر ما يُنتظر منه أن يشجع ويدافع عن الطرف الذى اعتاد متابعته، حتى لو لم يمتلك معرفة كافية بالقضية المطروحة.

وهذا أحد أخطر ما أفرزه العصر الرقمى، فمن السهل اليوم أن ينتمى الإنسان إلى معسكر كامل اعتمادًا على مقاطع قصيرة وشعارات متداولة دون أن يقرأ مصدرًا، أو يتعرف إلى السياق الكامل أو يمنح نفسه فرصة للتأمل.

ومع مرور الوقت يصبح الدفاع عن الجماعة أهم من مراجعة الفكرة نفسها، ويُنظر إلى تغيير الرأى باعتباره خسارة، بينما يُعد الاعتراف بقوة حجة الطرف الآخر هزيمة لا خطوة طبيعية فى رحلة البحث عن المعرفة.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن طبيعة المنصات الرقمية نفسها، فالخوارزميات لا تميز بين الفكرة العميقة والفكرة المثيرة لكنها تمنح انتشارًا أوسع لما يحقق تفاعلًا أكبر. وكلما ارتفعت نبرة الجدل، ازدادت فرص الانتشار حتى لو كان المحتوى أقل قيمة من الناحية المعرفية.

وهكذا تتحول المناظرة أحيانًا إلى منتج رقمى يخضع لمنطق السوق أكثر مما يخضع لمنطق الحوار، فالمشهد الهادئ لا يلفت الانتباه أما الصدام فيجذب المشاهد، ويستدعى ردًا جديدًا ثم معركة أخرى وتستمر الدائرة.

لكن يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل يحتاج الإيمان أصلًا إلى هذا النوع من المناظرات؟

لا أحد ينكر أن المناظرات العلمية الرصينة يمكن أن يكون لها دور فى توضيح المفاهيم وتصحيح الأخطاء عندما تقوم على الاحترام والموضوعية. غير أن هذا يختلف كثيرًا عن المناظرات التى يكون هدفها إحراج الطرف الآخر أو صناعة مقطع ينتشر أو البحث عن لحظة يصفق لها الجمهور.

فالإيمان لا ينشأ لأن شخصًا انتصر فى نقاش ولا يترسخ لأن آخر عجز عن الرد، كما أنه لا يُقاس بعدد المشاهدات أو المشاركات أو التعليقات، لأن الاقتناع الحقيقى لا تصنعه الخوارزميات.

وربما لهذا السبب فإن السؤال الذى يستحق أن يُطرح ليس من ربح المناظرة؟ بل ماذا ربح الإنسان بعدها؟

هل خرج بفهم أعمق؟ هل أصبحت رؤيته أكثر اتزانًا؟ هل تعلم كيف يصغى قبل أن يحكم؟ أم خرج وهو أكثر غضبًا، وأكثر انغلاقًا، وأكثر اقتناعًا بأن كل اختلاف هو معركة يجب أن تنتهى بانتصار طرف وهزيمة آخر؟

المجتمعات لا تُبنى بكثرة المنتصرين فى الجدل، وإنما بكثرة الباحثين عن الحقيقة. والحقيقة لا تخشى الأسئلة لكنها تحتاج إلى مساحة من الهدوء وإلى قدر من التواضع حتى تظهر بعيدًا عن أجواء المنافسة.

وربما لهذا تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى استعادة قيمة الحوار لا بوصفه وسيلة للغلبة وإنما باعتباره طريقًا للفهم. فليس كل من يرفع صوته يحمل فكرة وليس كل من يحصد ملايين المشاهدات يضيف شيئًا إلى الوعى.

لقد أتاحت وسائل التواصل للجميع أن يتحدثوا لكنها لم تجعل الفهم أكثر حضورًا. وبين هذا التدافع المتواصل قد يصبح الصوت الهادئ هو الأكثر ندرة، وقد يغيب الباحث الحقيقى عن المعرفة وسط معارك لا تنتهى.

المعتقدات الدينية لا تحتاج إلى جماهير تتنافس على تسجيل النقاط بقدر ما تحتاج إلى عقول تبحث بصدق وقلوب تتسع للحوار، ونفوس تدرك أن الاقتناع لا يُفرض والإيمان لا يُصنع تحت ضغط التصفيق أو اندفاع المنصات، فالمعرفة الحقيقية لا تولد من الصدام وإنما من سؤال صادق وعقل منفتح وحوار يحترم الإنسان قبل أن يسعى إلى الانتصار عليه.

مدير الإعلام بالهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved