حين يغدو الفن فى قلب الثورات الحضرية
العالم يفكر
آخر تحديث:
الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 7:07 م
بتوقيت القاهرة
فى عددها الحامل رقم 1853 من 7 إلى 20 مايو 2026، خصصت دورية «كورييه إنترناسيونال» الفرنسية، بالتعاون مع الفنان البرتغالى الشهير ألكسندر فارتو اسمه المستعار فيلس، ملفًا خاصًا حول التوسع الحضرى المتسارع، وذلك فى سياق التعريف بالدور المركزى الذى يضطلع به الفنانون والأمكنة الثقافية فى حفظ ذاكرة الأحياء والحارات والمناطق وهوياتها، كما فى تقوية النسيج المجتمعى والعيش المشترك.
فى الاستهلال كانت كلمة للفنان «فيلس»، الذى جال فى 9 مدن نشط فنيًا فيها، بانتظار استكمال أعماله فى المدينة التاسعة. يقول فى استهلاله هذا: «أنا لا أشتغل على المدن، بل على الطبقات التى نسيت المدن أنها كانت تتألف منها. كل جدار أحفره هو بحد ذاته مستند أو وثيقة حول الأنظمة التى خلفت بصماتها عليه، والعواصف التى غسلت ألوانه، والأيدى التى وضعت لمساتها الأولى عليه، والأجساد التى استندت إليه. ترانى لا أضيف شيئا على الجدار، بل أعريه».
فى هذه الجولة البانورامية نلمس التغيرات التى طاولت ملامح معينة فى المدن أو البلدات التى شملها الملف، وكذلك مقاومة السكان والفنانين لعمليات طمس هوياتها الثقافية، عبر إعادة صوغ المساحات العامة.
عن تحولات لشبونة، يذكر الصحافى والمراسل الفرنسى «فنسنت باروس»: «تعيش العاصمة البرتغالية فترة من الاضطرابات؛ ففى الوقت الذى تظهر فيه مواقع ثقافية جديدة، تؤدى الزيادة فى إيجارات العقارات والضغوط الاقتصادية إلى إضعاف الحياة الليلية المستقلة». وهو ينقل عن المعمارى خوسيه مانويل فيرنانديز، فى مجلة «إكسبريسو» EXPRESSO، كيف تحول المواقع الصناعية أو التراثية القديمة، وكذلك الأراضى المهجورة، إلى مساحات ثقافية هجينة، وكيف أن إعادة تأهيل هذه المواقع تعتمد على إعادة الاستخدام الوظيفى أكثر من اعتمادها على ترميم معمارى حقيقى.
اللافت فى هذه الوضعية أن الفضاءات والجمعيات الثقافية والاجتماعية المستقلة التى ارتبطت تاريخيًا بالثقافة البديلة وبالملتقيات الحية فى لشبونة، وأسهمت فى تحويل بعض المناطق إلى أحياء حيوية وعصرية فى أوائل العام 2010، تغلق أبوابها اليوم؛ وترضخ بالتالى لضربات موجة جديدة من «الارتقاء الطبقى» (Gentrification)، غالبًا ما يكون لمصلحة مشروعات فندقية. إنه على ما يبدو المنطق الاقتصادى الذى يفقد العواصم أجواءها المألوفة ليس من وجهة نظر سكانها فحسب، بل من منظور مختلف الأشخاص والسواح الذين كانوا قد زاروها ذات يوم. ينقل فنسنت باروس عن أحدهم قوله: «كانت للشبونة روح خاصة غابت عنها اليوم».
• • •
تحت هذا العنوان كتب الصحافى الإسبانى «روبين أمون» عن تحول المساحات الصناعية والمهملة فى العاصمة الإسبانية مدريد إلى مراكز للابتكار الاجتماعى والثقافى. وفى ثنايا نصه شهادة للفنان «فيلس» عن الفن المستقل كموقف فكرى وثقافى متعمد، يرفض تحويل أحياء المدن العريقة إلى مجرد واجهات سياحية مزيفة (Décor pour touristes) أو فضاءات تجارية مغلفة بمظاهر المعاصرة والحداثة المصطنعة. فى مدريد، يقول فيلس: «قمت بحفر بورتريه للروائى خوسيه ساراماغو» José Saramago على جدار جامعة كومبلوتنسى، التى كانت قد منحته دكتوراه فخرية. لقد كان تنفيذ هذه الجدارية شرفًا كبيرًا لى، وكانت الاستعارة (المجاز) مثالية لدرجة لا تسمح بإضافة أى شىء آخر إليها. ففى رواية «الطوف الحجرى» Le Radeau de pierre، يتخيل ساراماغو أن شبه الجزيرة الإيبيرية تنفصل عن القارة الأوروبية وتبدأ فى الانجراف نحو المحيط الأطلسى، لتتمكن أخيرًا من الوقوع على مصيرها. طوال حياته، دافع ساراماغو عن فكرة قيام اتحاد إيبيرى كبير، وعن تقارب بين البرتغال وإسبانيا لمقاومة قوة الجذب الصارمة لأوروبا الشمالية، التى لم تقبلنا حقا وبشكل كامل فى يوم من الأيام».
بالعودة إلى روبين أمون، نراه يكتب عن حى كارابانشيل Carabanchel الواقع فى العاصمة مدريد، أن أحدًا لم يتوقع أن يكون هذا الحى ذات يوم فى الطليعة. «فهذا الحى، الذى كان فى السابق مرادفًا للمناطق الهامشية، والتمييز، والسجون، وأغانى روسيندو (أحد رموز الروك الإسبانى)، أصبح اليوم بمثابة البوصلة الثقافية لمدينة مدريد». ولم تكن هذه المعجزة متمثلة فى التزين بمظاهر الحداثة المصطنعة، بل تكمن بالأحرى فى تحويل ندوب هذا الحى وعلامات ماضيه إلى ما يشبه بيانًا فنيًا (Manifeste artistique)، إذ إنه لم يحاول استنساخ تجارب مدن أخرى (مثل أحياء نيويورك أو غيرها من المدن)، وتحديدًا حى ويليامزبورج النيويوركى، ولم يكن بحاجة إلى استيراد مفاهيم جاهزة، ولا إلى وصفات تسويقية وترويجية جاهزة خاضعة للمجالس البلدية؛ ذلك أن فرادة حى كارابانشيل تأتت من أصالته، فيما يكمن سر قوة جاذبيته فى عدم تخليه عن هويته المدريدية الشعبية.
أما الدرس الأساسى الذى يستخلصه روبين أمون، فهو «أن المدن لا تعيد ابتكار نفسها داخل صالونات قصر سيبيلى (مقر المجلس البلدى لمدريد)، بل فى الهوامش والمناطق الطرفية التى ترفض أن تهمش. إن حى كارابانشيل لا يطلب الإذن من أى جهة ليكون حديثًا؛ فهو كذلك بالفعل، لأنه يظل وفيا لنفسه».
• • •
تحت هذا العنوان تصف الصحافية الفرنسية ــ البريطانية «كاثرين فرانسيس بينيت» تجربة الزوجين الإيطاليين أندريا بارتولى وفلوريدا ساييفا اللذين أنشآ مؤسسة «فارم كولتورال بارك» فى صقلية، وحولا «فافارا» من بلدة منسية إلى ثانى أكبر بلدة سياحية وثقافية فى مقاطعة أجريجنتو الصقلية. كما حولاها إلى مزار للفنانين والمصممين من مختلف أنحاء العالم، وجعلا من «متحف مدن العالم» Le Musée des Villes du Monde، فضاء ثقافيًا معاصرًا يمثل الامتداد الأحدث والذروة الإبداعية لتلك الفضاءات، بعدما كان ديرًا مهجورًا منذ ثلاثين عامًا فى باليرمو، عرف بدير «كروسيفيرى»، ويقع فى مبنى تاريخى من القرن السابع عشر.
فى أثناء جولتها مع «أندريا بارتولى» (كاتب عدل ومستشار إيطالى، ومؤسس أحد أهم مشروعات الإحياء الفنى والحضرى فى صقلية) فى فضاءات التجديد الحضرى وثقافة المدن البديلة، تنقل الصحافية كاثرين فرانسيس بينيت عنه قوله: «المدن تتغير، لأن الناس هم الذين يغيرونها»؛ وهى المقولة التى تجسد الفلسفة التى قام عليها مشروع «فارم كولتورال بارك»؛ المشروع الذى لم يتوقف عند حدود نجاحه الذى حققه فى بلدة فافارا فى العام 2010، بل توسع بالتدريج ليشمل أربعة مواقع ومبادرات حضرية وفنية أخرى فى الشطر الغربى من جزيرة صقلية، بما فى ذلك بلدات مجاورة ومدن مثل جيبيلينا وباليرمو.
أما جيبيلينا، تلك البلدة الزراعية الجبلية الصغيرة التى تحولت إلى ركام بعدما ضرب زلزال «وادى بيليتشى» (Valle del Belìce) فى غرب صقلية، فقد بادر رئيس بلديتها آنذاك «لودوفيكو كورراو» (1927 ــ 2011) إلى دعوة فنانين ومعماريين لإعادة اختراع البلدة، وذلك من خلال دمج الفن فى نسيج الأمكنة والمواقع نفسها، فتحولت البلدة إلى «موكب حافل بالمبانى التجريبية ما بعد الحديثة، وبالمنحوتات، والفسيفساء».
وتوضح أنطونيلا كورراو ، إحدى بنات لودوفيكو كورراو، والتى تترأس، برفقة شقيقتها، منظمة فنية محلية هى مؤسسة أوريستيادى La Fondation Orestiadi، أن «المبدأ التوجيهى لجيبيلينا كان يكمن فى إقامة الفنانين وعملهم جنبا إلى جنب مع السكان المحليين، من أجل إبداع أعمال فنية يتركونها بعد ذلك هنا». فجيبيلينا «لم تكن يوما مكانا يعامل فيه الفن كسلعة تجارية». وتكريمًا لهذا الإرث، منحت الحكومة جيبيلينا لقب «العاصمة الإيطالية للفن المعاصر» (للعام 2026).
تتابع كاثرين فرانسيس بينيت جولتها فى رحاب البلدة فتطلعنا على كيفية إعادة تهيئة مركز بلدى قديم صممته الفنانة والمعمارية «ناندا فيجو» لاستضافة إقامات فنانين، وكيف أزيلت رسومات الغرافيتى عن جدران مبنى (الحديقة السرية 1-2) الذى صممه المعمارى «فرانشيسكو فينيزيا»، وجعله مكشوفًا للسماء هكذا بلا سقف وذا تصميم حلزونى معاصر، وفى داخله أقواس حجرية تعود إلى ركام البلدة القديمة لحفظ الذاكرة... إلخ.
فى المحصلة، وبحسب ما ورد فى كلام كاثرين فرانسيس بينيت، والذى ينطبق على مختلف ما غطاه ملف دورية «كورييه إنترناسيونال» الفرنسية حول المدن والتمدين، هو أن الهدف من سائر تلك التجارب كان «نبيلا»، وهو كما فى صقلية، «يتمثل بجعل الفن فى خدمة المساحات الحضرية المهجورة بغية إحيائها، من دون استبدال تاريخ الأماكن أو طمس معالمها، وعبر تعايش «الحاضر ببهجة موصولة مع الماضى»».
رفيف رضا صيداوى
مؤسسة الفكر العربى
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/4m36yzxk
الاقتباس:
فى هذه الجولة البانورامية نلمس التغيرات التى طاولت ملامح معينة فى المدن أو البلدات التى شملها الملف، وكذلك مقاومة السكان والفنانين لعمليات طمس هوياتها الثقافية، عبر إعادة صوغ المساحات العامة.