صلاح.. عندما تلتقي كرة القدم بالسياسة

عبدالرحيم شلبي
عبدالرحيم شلبي

آخر تحديث: الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

لم يكن وصول محمد صلاح إلى إسطنبول مجرد انتقال لاعب كبير إلى نادٍ جديد، بل كان حدثاً استثنائياً حطم كل الأرقام القياسية لاستقبال اللاعبين في تركيا، وأعاد إلى الأذهان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به نيمار عند انتقاله إلى باريس سان جيرمان عام 2017. وكان ذلك في حد ذاته رسالة بأن الدوري التركي أصبح قادراً على اجتذاب أحد أكبر نجوم كرة القدم في العالم.

غير أن السؤال الحقيقي ليس لماذا انتقل صلاح إلى تركيا، وإنما لماذا اختار طرابزون سبور؟

فهذا النادي ليس مجرد أحد أندية الدوري التركي، بل يمثل ظاهرة خاصة في تاريخ الكرة التركية. فهو أول ناد خارج إسطنبول نجح في كسر احتكار الأندية الثلاثة الكبرى لبطولة الدوري، وأصبح رمزاً لكبرياء إقليم البحر الأسود بأكمله. كما يمتلك واحدة من أكبر القواعد الجماهيرية في تركيا، هي الأكبر خارج أندية إسطنبول الثلاثة، وتملأ جماهيره ملعب بابارا بارك الذي يتسع لنحو واحد وأربعين ألف متفرج، في أجواء قلما يجدها لاعب في أوروبا.

أما مدينة طرابزون نفسها، فهي ليست مجرد مدينة ساحلية جميلة. فهي ميناء رئيسي على البحر الأسود، ومركز مهم للتجارة والخدمات اللوجستية، كما تعد قاعدة مهمة للصناعات الحربية التركية، ومنها خرج عدد كبير من كبار رجال الأعمال الذين وفروا للنادي قاعدة مالية مكنته من منافسة أكبر أندية البلاد، إضافة إلى مشاركاته الأوروبية التي جعلته اسماً معروفاً خارج تركيا.

ولهذا كله أعتقد أن صلاح سيتمكن من تقديم أفضل ما عنده هناك.

فهو لا يزال نموذجاً نادراً في الانضباط البدني والاحتراف، وهي الصفات التي مكنت ميسي ورونالدو من إطالة عمرهما الكروي. كما أن صلاح لاعب يزدهر عندما يشعر بحب الجماهير واحتضانها، كما حدث في سنواته الأولى مع ليفربول، وأعتقد أنه سيجد في طرابزون الأجواء نفسها، بل وربما بدرجة أكبر، في بيئة ثقافية واجتماعية أقرب إلى تكوينه.

لكن انتقال صلاح يحمل بعداً آخر يتجاوز كرة القدم.

فهو يضيف بعداً جديداً إلى العلاقات المصرية التركية التي تشهد تطوراً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة. وعادة ما تسبق العلاقات الثقافية والرياضية العلاقات السياسية، وتمهد لها، وتمنحها عمقاً شعبياً يصعب على الدبلوماسية وحدها أن تحققه.

وهناك أيضاً بُعد آخر سيضع صلاح تحت الأضواء.

فمنذ اندلاع الحرب في غزة، ظل السؤال مطروحاً حول أسباب تحفظه مقارنة بما كان يتوقعه كثيرون منه. وبرز تفسيران رئيسيان. الأول أن طبيعة البيئة في الدوري الإنجليزي الممتاز تفرض قدراً من التحفظ في تناول القضايا السياسية، وإن كانت لا تستبعد ذلك كلياً، كما أثبتت مواقف بيب جوارديولا المعلنة تضامناً مع الشعب الفلسطيني. أما التفسير الثاني، وهو الأكثر تداولاً بين قطاعات واسعة من الرأي العام المصري، فيربط ذلك بالتأثير الكبير لوكيل أعماله رامي عباس، وما يُنسب إليه من تغليب الاعتبارات التجارية على غيرها. واليوم، قد يوفر انتقال صلاح إلى تركيا فرصة لمعرفة أي التفسيرين كان أقرب إلى الواقع.

غير أن أكثر ما يثير اهتمامي ليس انتقال صلاح في حد ذاته، وإنما ردود الفعل المصرية عليه.

ففي كل مرة أكتب فيها عن العلاقة بين كرة القدم والسياسة، أجد تفاعلاً يفوق بكثير ما تحققه مقالات السياسة المباشرة. والسبب، في تقديري، أن المصريين ليسوا فقط شعباً يعشق كرة القدم، وإنما شعب يفهمها بعمق.

وليس ذلك مصادفة.

فكرة القدم كانت دائماً مفتوحة للجميع. يستطيع أي طفل أن يمارسها في الشارع، ويستطيع أي مواطن أن ينتقد المدرب، وأن يختلف مع رئيس النادي، وأن يحلل أداء اللاعبين بحرية كاملة. ومن هذه المشاركة الحرة نشأت خبرة جماعية، وصار الجمهور قادراً على التمييز بين القرار السليم والقرار الخاطئ، وبين المدرب الكفء وغيره.

وهنا أصل إلى الفكرة التي أراها الأهم.

فلو أتيحت للشأن العام المساحة نفسها من المشاركة الحرة، والنقاش المفتوح، واحترام الرأي المختلف، لاكتسب المجتمع قدراً أكبر من النضج السياسي، ولأصبح أمام صانع القرار ميزان يومي صادق يقيس به اتجاهات الرأي العام، فيتخذ قراراته وهو أكثر اقتراباً من نبض المجتمع، وأكثر قدرة على تحقيق الانسجام الوطني.

فكرة القدم لم تصنع فقط نجوماً داخل المستطيل الأخضر.

بل صنعت أيضاً مدرسة كاملة في المشاركة الشعبية، وفي احترام الكفاءة، وفي قبول النقد، وفي الإيمان بأن المنافسة الحرة هي الطريق الأقصر للوصول إلى الأفضل.

وربما لهذا السبب، فإن كرة القدم ليست مجرد لعبة.. بل درس سياسي بامتياز.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved