كرباجك يا عم الحكيم

أسامة غريب
أسامة غريب

آخر تحديث: الجمعة 11 سبتمبر 2026 - 7:45 م بتوقيت القاهرة

أشعر بالحزن عندما أرى إنسانًا قد حظى بقدر كبير من التعليم وانفتحت أمامه الدنيا على مصراعيها ورغم ذلك إذا تحدث تطاير منه الهراء فى الجو.

ويضايقنى أكثر أن يكون هذا الشخص محل ثقة الناس، وقد يرددون كلامه دون أن يتصوروا أبدا أن البعيد حمار!


كنت فى العيادة عند واحد من أكبر الأطباء صيتًا وشهرة، وتطرق الحديث بيننا إلى أحوال البلد والانهيار الذى أصاب كل شىء. كان من رأى سيادته أن هذا الشعب (المصرى) هو شعب مدلل، والحل الوحيد لكى تنتظم الأمور وتعود الحياة إلى طبيعتها هو الكرباج! أجل.. كان هذا هو رأى الطبيب الكبير الذى تطوّع به دون أن أطلبه.

الحل لكل مشاكل المصريين هو استعمال الكرباج معهم. اقشعر بدنى وأنا أستمع إلى روشتة حكيم الزمان من أجل علاج مصر من الفساد وتدنى الخدمات وانعدام الضمير وتهاوى الأخلاق وانهيار التعليم والعلاج والثقافة.

الغريب أنه لم يقترح الكرباج علاجًا نقوّم به المجرمين الذين نهبوا البلاد وأفسدوا العباد، وإنما يريد أن يضرب به الضحايا! قلت له: ألا ترى يا دكتور أنك تجنح نحو المبالغة بسبب ضيقك الذى أفهمه من سلبية الناس واستكانتهم للظلم وعدم اتخاذ مواقف رجولية للدفاع عن حقوقهم البديهية؟.

قال: هذا الشعب الكسول لا أمل فيه وقد أفسدته بالأساس مجانية التعليم وجعلت كل جربوع يريد أن يصبح طبيبا! زادت دهشتى وقلت: يا دكتور هذا الكلام كان من الممكن أن يقال منذ 40 سنة عندما كانت هناك لا تزال مجانية وكان هناك تعليم، ووقتها بالطبع كنت سأرد على كلامك وأفنّده وأبين أنه يجافى الحقيقة.. أما الآن فلا وجه لترديده من الأساس. لم تكن هذه هى المرة الأولى التى أستمع فيها إلى هذا الرأى الفاسد سواء عن الشعب اللى عاوز ضرب الكرباج أو عن المجانية التى خربّت التعليم.. استمعت إليه مرة من ماسح أحذية ومرة من سمكرى سيارات وأكثر من مرة من عجلاتى ومكوجى وقرداتى وهم يرددونه مسايرة للموضة واقتداء بمتعلمين يرددونه باستمرار.

الغريب بالنسبة للفقراء أن الكرباج كلما لاح لا يطول سواهم، والعجيب أن المجانية الحقيقية هى أملهم الوحيد وأمل أولادهم فى النجاة، لكن عذرهم أنهم أناس بسطاء لا تسمح لهم حصيلتهم المعرفية إلا برؤية الغابة التى يحيون فيها والعذاب الذى يصلون ناره، ويتطلع كل منهم إلى شىء من الإنصاف، ولا يتصور الحل إلا من خلال كرباج عادل ومعادل للكرباج الظالم الذى يلهبهم.

أما هذا الحكيم الذى لف وطاف وشاف وقرأ وسمع وتعلم فما عذره؟ لماذا يمتلك نفسًا شريرة إلى هذا الحد؟ ثم وهو الأهم كيف تصوّر أن هذا الكلام سيقع منى موقعًا طيبًا فاندفع يلقيه على مسامعى فى حماس وكيف خطر بباله أننى قد أوافقه عليه؟.

هل اعتاد فى عيادته الفخمة أن يلتقى المشتغلين بالأدب والصحافة وأن يتداول معهم هذه الأفكار الفاسدة؟ أعتقد والله أعلم أن بعض الجاهلين منهم قد علّموه هذا الكلام الفارغ فأراد أن يبهرنى بثقافته؟ هل ظن سيادته أن حاجتى إلى روشتته وعلاجه ستجعلنى أهز رأسى موافقا على أفكاره الفاسدة الرخيصة التى يتم تداولها فى دوائر المترفين من أمثاله الذين يجنون الملايين كل شهر؟ الحقيقة أننى منذ سنوات وقد هدأت فورتى وهبط اندفاعى فأصبحت أميل إلى الوقوف فى صف الذين يعرضون عن الجاهلين ولا يردون عليهم أو يجادلوهم، أما هذه المرة ومع هذا الحمار بالذات الذى لهف فى الكشف مبلغًا كبيرا فلم أشأ أن أتركه يسعد بتخاريفه.

قلت له: يا عم الحكيم ألا يكفى ما يقاسيه المصرى فى حياته، فتريد أن تزيد إلى عذاباته سياطًا جديدة؟ ثم من أخبرك أن المصرى لا يتم جلده كل يوم من صحوه عند شروق الشمس حتى إغمائه بعد منتصف الليل بالبطالة والغلاء، والذل والهوان فى المواصلات والمصالح الحكومية وطابور العيش والمدارس والمستشفيات.

المصرى يتم جلده إذا دخل مستوصف أو عيادة طبيب أو معمل تحاليل، وقد تهدر كرامته إذا فكر أن يطالب بمقابل عادل لما يدفعه من مال.. هل تعلم أن الممرضة التى تنظم الدخول إليك قد هبشت منى مائة جنيه دفعتها صاغرا بناء على نصيحة صديق حتى لا تقذف بى لموعد مع سيادتك قرب الفجر. إن جانبًا لا بأس به من مقدمى الخدمة الطبية مثلهم فى ذلك مثل مقدمى سائر الخدمات اعتادوا أن يظهروا للمواطن الوجه الخشب ولا يبتسمون فى وجهه إلا بقدر امتلاء محفظته، ورغم ذلك فخدماتهم متدنية وبدائية.

وبالنسبة لدنيا الطب يا عم الحكيم فإن هناك من زملائك من لا يتورع عن إرسال المريض لأصدقائه الجراح وأخصائى القلب وطبيب العظام والعيون والأسنان ومعمل التحاليل والأشعة ليأخذ كل منهم نصيبه من الغنيمة.

فى مصر توجد كليات طب بلا مستشفيات وهى تقبل الطلبة الأغنياء أصحاب الدولارات حتى لو كان مجموعهم لا يؤهلهم لمعهد القطن، وفى الوقت نفسه فإن خريجى القصر العينى والدمرداش يهربون إلى بلاد بره فرارا من سطوة كبار المهنة الذين استأثروا بالخير كله ولم يتركوا للصغار سوى الملاليم مع علاقات عمل وتلمذة أقرب للعبودية! هذا الشعب بما فيه شباب الأطباء يحتاج إلى الرحمة يا عم الدكتور لا إلى الكرباج.


خرجت من عنده أنظر إلى الروشتة التى كتبها لى فى شك، ثم حسمت أمرى وقمت بتمزيقها لأننى بصراحة خفت منه، وعقدت العزم على أن أسافر إلى بلاد تحنو على الإنسان ولا يفكر كبار أطبائه فى ضرب الناس بالكرباج!

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved