الثورة الروبوتية تغيّر الجيش الإسرائيلى فى الجو والبحر والبر

قضايا تكنولوجية
قضايا تكنولوجية

آخر تحديث: الجمعة 11 سبتمبر 2026 - 7:59 م بتوقيت القاهرة

وصلت إلى قمة قلعة الشقيف وسائل غير آهلة، جوا وبرا، قبل وصول مقاتلى وحدة شلداغ ودورية من لواء جولانى، وقامت بمسح المنطقة وجمع المعلومات الاستخباراتية، وهاجمت حيثما اقتضت الحاجة؛ جرافات شقّت الطريق أمام ناقلات جُند مدرعة يتم التحكم بها عن بُعد، محمّلة بالمتفجرات ومن دون طواقم، بينما كانت المسيّرات فوقها ترصد العدو وتتعامل مع التهديدات على الأرض. الآن، يمكن وصف حرب «السيوف الحديدية» بأنها الحرب الروبوتية الأولى؛ فخلال العام ونصف العام الأخيرين، أدخل الجيش الإسرائيلى عشرات الآلاف من الوسائل الروبوتية إلى ساحة المعركة، فى الجو والبحر والبر. والآن، أعلن رئيس هيئة الأركان إيال زامير، فى كلمة ألقاها خلال مراسم اختتام دورة ضباط البحرية، قرارا تاريخيا يتمثل فى إنشاء ذراع للوسائل غير الآهلة والذكاء الاصطناعى (AI) فى الجيش الإسرائيلى. ويكرّس هذا القرار رسميا «ثورة الوسائل غير الآهلة»، ويمثل قفزة عملياتية وتنظيمية غير مسبوقة.


وممّا قاله زامير: «إن ساحة المعركة تتغير بسرعة مذهلة، ونحن نتغير معها، وندرك أن المستقبل يشمل وسائل غير آهلة، مثل الروبوتات والمسيّرات والاستخدام الواسع للذكاء الاصطناعى؛ فخلال الأسبوع الماضى، أنهيت عملية إنشاء ذراع جديدة فى الجيش الإسرائيلى؛ إنها عملية تنظيمية تاريخية، ذراع الوسائل غير الآهلة والذكاء الاصطناعى، التى ستكون مسئولة عن هذا المجال الذى يتطور بسرعة؛ وقريبا، سيتحول هذا الطموح إلى واقع».


جاءت الحاجة إلى إنشاء ذراع متخصصة نتيجة عمليات استخلاص الدروس العميقة من حرب 7 أكتوبر، التى باتت فيها الأنظمة الذاتية العمل جزءا لا يتجزأ من المناورة والدفاع. والآن، يجب بناء منظومة كاملة تحدد الحاجة العملياتية، وتطوّر وتنفّذ وسائل وقدرات قادرة على التغيّر بسرعة.


وإذا كان الأمر، حتى الآن، يتعلق بقدرة محدودة ووسائل منفردة، فيجب التفكير بأعداد هائلة: أسراب من الوسائل غير الآهلة فى البحر والجو والبر، تندمج داخل الوحدات القتالية للجيش الإسرائيلى وتؤثر فى ساحة المعركة. إن دمج الوسائل غير الآهلة يهدف، أولا إلى زيادة الفاعلية فى ساحة المعركة، لكن ما لا يقلّ أهمية عن ذلك، إنقاذ حياة البشر، عبر إرسال الآلات لتنفيذ المهمات الخطِرة، بدلا من المقاتلين.


علاوة على ذلك، فإن تطوّر تهديدات الطائرات المسيّرة والمسيّرات الانتحارية، مثل المسيّرات التى تعمل بواسطة الألياف البصرية والوسائل المعتمدة على الخوارزميات، أجبر الجيش على تغيير نهجه والانتقال من مفهوم دفاعى إلى مفهوم هجومى ومبادر.
ستعمل الذراع الجديدة عبر مسارات رئيسية عديدة: العمل إلى جانب الطواقم القتالية الآهلة؛ دمج المسيّرات والروبوتات التى تساعد قوات المشاة والمدرعات والهندسة فى الميدان، مثل كشف الأهداف، أو توفير الدعم اللوجستى، فضلا عن أسراب وأنظمة ذاتية العمل فى عُمق أراضى العدو، من دون الحاجة إلى اتصال بشرى مباشر فى لحظة التنفيذ.


فى البر: استخدام واسع للروبوتات لمسح الأنفاق والمنشآت تحت الأرض، وجرافات D9، ومسيّرات ذاتية بالكامل، وناقلات جُند مدرعة غير آهلة تقوم بـ«تطهير» المناطق المفخخة.


هناك فى الجو والبحر، إلى جانب أسراب المسيّرات، طائرات مسيّرة انتحارية وقوارب سريعة غير آهلة للدفاع عن السواحل والهجوم.


• • •


لواء «بينا» وشعبة الاتصالات


أُنشئ فى أواخر سنة 2025 لواء الذكاء الاصطناعى العملياتى، المعروف باسم «بينا»، وهو يجمع محركات الذكاء الاصطناعى فى الجيش، التى تُستخدم للتعرف على الوجوه، وتفريغ شبكات الاتصال فى الوقت الحقيقى، والتقييم السريع لجودة الأهداف، وستعمل الذراع الجديدة بشكل وثيق مع إدارة الذكاء الاصطناعى والاستقلالية فى وزارة الدفاع، بقيادة العميد يارون شريج، بهدف استيعاب التقنيات من شركات التكنولوجيا الناشئة الإسرائيلية بشكل سريع.


يشكل قرار اللواء إيال زامير نقطة تحوّل؛ فالجيش الإسرائيلى يوضح أن الحروب المقبلة لن تبقى مثلما كانت عليه من ذى قبل، وأن دمج الذكاء الاصطناعى المادى (Physical AI)، أى الذكاء الاصطناعى الذى يعمل فى العالم الحقيقى، سيصبح جزءا أساسيا من «الحمض النووى» للمقاتل الإسرائيلى.


الروبوتات تدخل جميع المجالات


كانت شبكة الأنفاق المعروفة باسم «المترو» من أكبر التحديات فى قطاع غزة. ولتجنُّب إرسال المقاتلين، أو كلاب وحدة «عوكيتس» إلى مصائد الموت والمتفجرات، جرى استخدام الروبوتات بكثافة؛ فعلى سبيل المثال، تم استخدام روبوت صغير ألقاه المقاتلون داخل الآبار والمنشآت المفخخة؛ كان الروبوت يمسح المنطقة، ويُرسل بثا مرئيا مباشرا، ويحذّر من وجود مسلحين، أو عبوات ناسفة، قبل دخول القوات.


النمذجة الثلاثية الأبعاد للأنفاق


• طوّرت «مفآت» مسيّرات تكتيكية خاصة قادرة على الطيران من دون استقبال الـGPS، وفى ظلام دامس داخل الأنفاق. قامت هذه المسيّرات بمسح الأنفاق وإنشاء نموذج دقيق ثلاثى الأبعاد للبنية التحتية تحت الأرض، بحيث يتمكن القادة من معرفة شكلها قبل أن يدخل إليها أى شخص.


الجرافة الروبوتية «باندا»


عملت جرافات D9 فوق الأرض، ومنها «باندا» الروبوتية، وهى جرافة الـD9 المعروفة لدى الجيش الإسرائيلى، جرى تحويلها، بالتعاون مع الصناعات الجوية الإسرائيلية «إلتا»، إلى وسيلة يتم تشغيلها بالكامل عن بُعد بواسطة جهاز لوحى وعصا تحكُّم؛ قادَت «باندا» القوات، وفتحت طرقات، وأزالت طرقات مفخخة، ودمرت مبانى تستخدمها الجماعات المسلحة، من دون وجود سائق داخل المقصورة التى ربما تتعرض للصواريخ المضادة للدروع.


وعملت إلى جانبها ناقلات جُند مدرعة انتحارية ذاتية التشغيل، ففى مراحل متقدمة من القتال، استخدم الجيش ناقلات مدرعة قديمة جرى تحويلها إلى وسائل مستقلة، وحُمّلت بأطنان من المتفجرات، ثم وُجّهت عن بُعد مباشرةً إلى مناطق مفخخة معقدة، أو مواقع محصّنة للعدو، ففجّرت هذه الوسائل العوائق وفتحت طريقا نظيفة تماما أمام المشاة.


مسيّرات الاقتحام والمسح داخل المبانى


أمّا فى الجو، فاستخدمت القوات مسيّرات الاقتحام والمسح الداخلية (Indoor Drones)، وهى مسيّرات صغيرة وخفيفة، كان المقاتلون يحملونها على ظهورهم، وكانت هذه المسيّرات تدخل من نوافذ صغيرة، أو فتحات الشرفات، أو ثقوب فى الجدران، بهدف «تطهير» المبانى، طبقة بعد طبقة. وكان أحد أشهر تسجيلات هذا النوع من المسيّرات هو التسجيل الذى ظهر فى اللحظات الأخيرة لزعيم «حماس» يحيى السنوار داخل مبنى فى رفح.

 


المسيّرة «تسور»


إن المسيّرات العملياتية «تسور» أكبر حجما، واستُخدمت كـ«سيارة أجرة لوجستية»، فكانت تطير بصورة مستقلة لنقل الإمدادات العاجلة، مثل الذخيرة والغذاء والمعدات الطبية، وحتى وحدات الدم، مباشرةً إلى مناطق معزولة، وتحت النيران، حيث لم تكن المروحيات، أو المركبات الآهلة قادرة على الهبوط.


روبوت (Probot)


هو عبارة عن مركبة روبوتية مجنزرة صغيرة، ومن إنتاج شركة Roboteam أيضا، رافقت قوات المشاة فى الأزقة الضيقة فى غزة، وكان الروبوت يحمل مئات الكيلوجرامات من معدات القتال والمياه والبطاريات والذخيرة، وعند الحاجة، كان يُستخدم لإجلاء الجرحى تحت النيران، من دون تعريض المقاتلين للخطر فى أثناء حمل النقالات.


سلاح البحرية والوسائل غير الآهلة


دخلت البحرية الإسرائيلية أيضا، وبعمق، فى عالم الوسائل غير الآهلة، بواسطة سفن للمراقبة، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وغواصات للهجوم والاستخبارات؛ استخدمت الولايات المتحدة فى نشاطها فى الخليج الفارسى قوة المهمات 59 (Task Force59)، وهى قوة بحرية خاصة ورائدة تابعة للأسطول الخامس الأمريكي، ضمن القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية (NAVCENT)؛ أُنشئت القوة فى سبتمبر2021، ويقع مقرها فى العاصمة البحرينية المنامة، وهى أول تشكيل عسكرى فى تاريخ البحرية الأمريكية مكرّس بالكامل لدمج الأنظمة غير الآهلة والذكاء الاصطناعى فى العمليات البحرية، وهذا ليس سوى الجزء القليل الذى يمكن نشره.


• • •
تتغير ساحة الأنظمة غير الآهلة والذكاء الاصطناعى بوتيرة سريعة تقدَّر بأيام وأسابيع، وليس بأعوام. فالعدو يتعلم من وسائل الجيش الإسرائيلى ويطوّر وسائل مضادة لها بسرعة؛ لذلك، يجب على الجيش الإسرائيلى أن يضمن أنه دائما متقدم بخطوة على خصمه، ولا يستطيع أن يتأخر، أو يبقى خطوة خلفه.


إن التعاون المباشر والمتكرر بين المقاتلين فى الميدان، وبين «مفآت»، ولواء «بينا» والصناعات الدفاعية المحلية، يسمح بتحديث إصدارات البرمجيات، وتغيير الترددات، ودمج خوارزميات مقاوِمة للتشويش خلال ساعات قليلة، مباشرة على خطوط الجبهة.


إن تطوير قدرات مستقلة فى مجال الوسائل غير الآهلة هو الفارق بين جيش يعتمد على الدول الأخرى، وعلى وتيرة تطوير تجارية وبطيئة، وبين جيش مستقل ومبادِر ومرِن يستطيع الاستجابة للتهديدات فى الوقت الحقيقى والحفاظ على حياة مقاتليه فى كل ساحة، وفى كل وقت.


إذا تم تشويش مسيّرة معينة بواسطة الحرب الإلكترونية للعدو فى أزقة غزة، أو فى الجنوب اللبنانى، فلا يستطيع الجيش الإسرائيلى الانتظار عدة أشهر حتى يحصل على تحديثٍ للبرمجيات من شركة أمريكية، أو أوروبية.


إن الثورة الروبوتية فى الجيش الإسرائيلى، التى يقودها رئيس هيئة الأركان إيال زامير ونائبه اللواء تامير ياداى، مهمة، وتحمل إمكانات هائلة.


نير دفورى
قناة N12
مؤسسة الدراسات الفلسطينية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved