تحديات تكنولوجيا التعليم فى الدول النامية

محمد زهران
محمد زهران

آخر تحديث: الجمعة 11 سبتمبر 2026 - 7:40 م بتوقيت القاهرة

هل التكنولوجيا تحسّن من العملية التعليمية؟
هل التعليم بالدول النامية متأخر بالضرورة نتيجة التكنولوجيا؟
كيف تتصرف الدول النامية؟

ما الهدف من التعليم؟هذا السؤال الذى قد يبدو بسيطا، بل وقد يعتبره البعض من قبيل السفسطة ليس سهلا، لأن الإجابة عليه ستحدد شكل العملية التعليمية وبالتالى طبيعة الأجيال القادمة التى ستتولى زمام الأمور. إذا كان الهدف من التعليم تنمية مهارات معينة للطلبة تؤهلهم للالتحاق بسوق العمل وفقط، فنحن نتكلم عن تعريف رأسمالى بحت يهتم «بإنتاج» أجيال من العمال المهرة للشركات خاصة الشركات الكبرى عابرة القارات، والتى ستتخلص من هؤلاء العمال فى غمضة عين حين تتوفر تكنولوجيا جديدة تقوم بمهمتهم أو حين يظهر عمال أكثر مهارة. التعريف الأكثر دقة للتعليم من وجهة نظر كاتب هذه السطور هو بناء أجيال قادرة على التفكير النقدى والتحليلى، والقدرة على قراءة الواقع واستشراف المستقبل القريب، ثم استخدام أدوات العصر الحديث لتعلم المهارات المناسبة للعصر، إذا نحن لا نلغى أهمية تنمية المهارات، لكنها تأتى بعد القدرة على التفكير النقدى والتحليلى، لأن المهارات المطلوبة تتغير بتغير العصر، وكلما زادت سرعة التقدم العلمى كلما أصبح التغيير أسرع. مقالنا اليوم عن تأثير التكنولوجيا على العملية التعليمية.

نحن فى مفترق طرق الآن: هل نتبنى استخدام التكنولوجيا فى العملية التعليمية إلى آخر مدى؟ وبالتالى لا بد من وجود استراتيجية واضحة عن كيفية عمل ذلك وكيفية تدريب المسئولين عن العملية التعليمية على استخدام تلك التكنولوجيا وترك ما تعودوا عليه فى العقود الماضية وكيفية تدبير تكاليف التكنولوجيا لأن التكنولوجيا المتقدمة ليست مجانية. أم نتمسك بالطريقة التقليدية فى التعليم ونوفر تكلفة استقدام واستخدام التكنولوجيا؟ وهذا أيضا له توابعه لأن التكنولوجيا لها جوانب سلبية كما أن لها جوانب إيجابية. مقالنا اليوم نأمل أن يكون خطوة أولى نحو مناقشة هذه الأسئلة المحورية والوصول إلى حل يناسبنا.


•••


دور التكنولوجيا فى التعليم


العملية التعليمية تتكون من عدة عناصر، كل منها يتأثر بالتكنولوجيا بطريقة مختلفة، هذه العناصر هى الآتى:


• الطالب: وهو المنتج النهائى، لاحظ هنا أننى استخدمت لفظة «منتج»، ولم أشر إلى أن الطالب «يشترى» خدمة وهى التعليم والشهادة الدراسية.


• المادة التعليمية نفسها: وهى تنمو وتتغير تبعا لاحتياجات العصر مع وجود بعض الثوابت مثل التفكير النقدى وغيره.


• الأستاذ: وهو من يحمل مسئولية بناء الطالب، ولا أقول مجرد توصيل المعلومة له، لأننا فى عصر أصبح الطالب قادرا على الحصول على المعلومة وشرحها ودقائقها بنفسه، شئنا هذا أم أبينا.


• الإدارة: وهى التى تتولى إدارة المنظومة التعليمية كلها للعمل على تحقيق الأهداف (رجاء مراجعة بداية المقال) بكفاءة.


الطالب يمكنه استخدام برمجيات الذكاء الاصطناعى للحصول على المعلومة وفهمها، برمجيات الذكاء الاصطناعى تستطيع شرح المعلومة للطالب بالطريقة التى تناسب طريقة تعلم هذا الطالب. ويمكن أيضا استخدامها فى الغش، أى فى عمل الأبحاث والرسائل العلمية بدون بذل أى مجهود فى البحث أو الفهم.


المادة التعليمية هى أسهل ما فى الموضوع، لأن أدوات الذكاء الاصطناعى تستطيع تجميع أحدث المعلومات وترتيبها، طبعا تحت إشراف مجموعة من المتخصصين فى المادة العلمية، مع إعطاء كل أستاذ بعض حرية الحركة فى تعديل بعض الأجزاء حسبما يراه.


الأستاذ نفسه يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعى لترتيب دروسه وتنمية معلوماته، لكن أصعب مهمة هى كيفية تقييم الطالب فى عصر الذكاء الاصطناعى خاصة لو استخدمه الطالب فى الغش، وكيفية التعامل مع عصر لم يعد فيه الأستاذ هو مصدر المعلومة، بل برمجيات الذكاء الاصطناعى. هذه أسئلة صعبة جدا، وقد حاولت إعطاء بعض الإجابات عن بعضها فى مقالات سابقة، لكن تلك الإجابات ليست نهائية، بل هى إلى الخواطر أقرب، وقد سألت العديد من الأساتذة فى الداخل والخارج عن رأيهم فى هذه المعضلات ولم يكن حالهم بأفضل من حالى، فأرجو أن يكون هذا المقال دعوة إلى عقد ورش عمل للإجابة أو محاولة الاقتراب من إجابة عن تلك الأسئلة.


أما الإدارة فهى أكبر مستفيد من التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعى يمكنه تحليل درجات الطلبة على مدار السنوات الدراسية وشخصية كل طالب والمناهج للتعرف على أنماط معينة تساعد على تحسين العملية التعليمية والتخطيط الجيد للمستقبل، كما يمكن للتكنولوجيا أيضا أن تساعد فى تقييم الأساتذة أنفسهم ليس فقط عن طريق تقييم الطلاب، لكن عن طريق تسجيل المحاضرات وتحليلها بتقنيات الذكاء الاصطناعى ليس من ناحية المادة العلمية فحسب لكن طريقة التعامل مع الطلبة وإدارة قاعة المحاضرات والتقييم إلخ.


كل ما ذكرناه سواء من إيجابيات أو سلبيات يعتمد على التكنولوجيا، وهى ليست مجانية، فما موقف الدول النامية التى لا تمتلك رفاهية اقتصادية؟


•••


الدول النامية بين شقى الرحى


الدول التى تواجه معضلات اقتصادية تواجه تحديا كبيرا، إما الإبقاء على العملية التعلمية كما هى والاكتفاء بتغييرات شكلية والتخلف عن الركب، أو استخدام التكنولوجيا المتقدمة والتوغل فى المصاعب الاقتصادية، وهما طريقان كلاهما مر، فما الحل؟


يجب أن نضع نقطتين فى الاعتبار:


• استخدام التكنولوجيا فى كل شىء ليس بالضرورة هو الحل الأفضل.


• طرق التعليم التقليدية ليست أسوأ من الطرق التكنولوجية الحديثة من كل الأوجه.


الدول التى تطمح فى الارتقاء بالعملية التعليمية عليها الاستفادة من خبراء التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع والتكنولوجيا لوضع خطة تحاول معرفة نقاط القوة فى النظام التقليدى ونقاط الضعف، والتعامل مع نقاط الضعف باستخدام التكنولوجيا بالحد الذى يقلل من المخاطر الاقتصادية ويقلل أيضا من مساوئ التكنولوجيا التى ذكرناها. جدير بالذكر أن دراسة كهذه تقوم بها حتى الدول المتقدمة، لذلك نراها تمنع التكنولوجيا لبعض المراحل العمرية، وتستخدمها بطريقة مقننة فى المراحل الأخرى، لكن لا يجب أخذ تجاربهم وتطبيقها «عميانى» لأن لكل دولة خصائصها.


أدعو القارئ الكريم لمراجعة المقالات الآتية لكاتب هذه السطور المتعلقة بالعملية:


• «فن التعليم» بتاريخ 29 أكتوبر 2016


• «تقييم الطالب فى عصر الذكاء الاصطناعى.. مشكلة صعبة جدا» بتاريخ 5 سبتمبر 2025


• «الجامعات فى بلادنا.. هل نسير فى الاتجاه الصحيح؟» بتاريخ 19 سبتمبر 2025


•••


التعليم هو أمن قومى لأية دولة تطمح بأن يكون لها موطئ قدم وكلمة مسموعة فى هذا العصر الذى لا يعترف إلا بالقوة، الناعمة منها والصلبة، وعندما نقول التعليم فإننا لا نقصد التدريب على مهارة معينة فقط، وأكيد لا نقصد مجرد الحصول على شهادة، بل الموضوع أكثر عمقا من ذلك وأكثر أهمية من مجرد عملية اقتصادية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved