شقق بمائة وأربعين سنة من الدخل فى سوريا

سمير العيطة
سمير العيطة

آخر تحديث: الأحد 11 أكتوبر 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

منذ يونيو الماضى تنهض فى سوريا مشاريع عقارية تُباع «على الخارطة»، وأغلبها بالدولار الأمريكى: «شام فيو» «أبيات هيلز» و«963» وغيرها فى ضواحى دمشق، إلى جانب العودة إلى مشروعَى «ماروتا» و«باسيليا» اللذين ورثناهما عن الزمن البائد، و«بوليفارد النصر» و«كرم الشام» و«دار السلام» فى حمص، و«حلب الشرقية» فى حلب، وغيرها الكثير.

تتوجّه هذه المشاريع إلى الفئات الأعلى دخلا فى البلاد. فسعر المتر المربع المعلَن فيها يعادل ما بين 110 و175 سنة من الدخل السنوى المتوسّط للفرد، أى ما تبلغه أسعار الشقق فى الأحياء الراقية فى دمشق. وللمقارنة، يبلغ المعدل نحو 30 إلى 50 سنة فى مصر (وست سنوات فقط للسكن الاجتماعى المدعوم)، و50 إلى 75 سنة فى لبنان، ونحو 11 سنة فى الإمارات و4 إلى 5 سنوات فى السعودية.

وبذلك لا تلبّى هذه المشاريع الاحتياجات الضخمة لما بعد النزاع، ولا حاجة الفئات الأكثر هشاشة، ومنها العائدون من النزوح واللجوء الذين يشكّلون الأغلبية العظمى من السكان، ويرزحون اليوم أصلا تحت غلاء المعيشة وقلّة الدخل. فهؤلاء يلجأون إلى ترميم مساكنهم فى أحياء المخالفات، وأيضا إلى تشييد مساكن جديدة فيها، وهى أحياء كانت تمثّل 30 إلى 40% من المساكن فى المدن الكبرى. والمفارقة أنّ مشاريع السكن الاجتماعى وجمعيات السكن التعاونى، التى تُعدّ بعشرات الآلاف، متوقّفة أو تسير ببطء شديد، وأنّ مشاريع شبه جاهزة منها لم تُسلَّم بعد، بينما فقد المكتتبون فيها قيمة اشتراكاتهم على مدى عقود بفعل انهيار أسعار الصرف.

• • •

غير أنّ التحدى فى هذه المشاريع «الفخمة» المتسارعة لا يقتصِر على الأسعار، علماً بأنّ السعر النهائى لا يُعلَن دائما عند الاكتتاب، بل يُثبَّت عند تخصيص المسكن أو استلامه. وهكذا يبقى السعر رهن تضخم أسعار البناء، كما حدث فى مشاريع المؤسسة العامة للإسكان والجمعيات السكنية المتعثرة اليوم.

أولا، هناك أصل الأرض. فكثيرا ما يغيب الوضوح عن الطريقة التى استحوذ بها المطوّر العقارى على الأرض، وعمّا إذا سُجّل هذا الاستحواذ باسمه، وهو شرط كى ينقل الملكية لاحقا إلى مالكى الشقق عند الاستلام ويسجّلها فى السجل العقارى («الطابو»). وفى بعض الحالات يتمّ الإعلان عن أنّ المؤسسة العامة للإسكان هى التى قدّمت الأرض، دون أن تبيّن العقود كيف استُملِكت ولأى غرض، وكيف قُدّرت قيمتها، وهل تمّ تعويض مالكيها القدامى تعويضا عادلا كما تنص القوانين وينص الإعلان الدستورى الصادر فى مارس 2025. ولهذا نجد فى بعض إعلانات المطوّرين العقاريين بنود «عدم مسئولية» يتبرأون فيها من الخلافات حول الملكيّة الأصلية للأرض.

وحين يُكشَف أصل الأرض، يظهر النزاع مع أصحابها قبل الاستملاك. ففى حمص، تقول المحافظة إنّ أرض «بوليفارد النصر» ملك للدولة، بينما يقول أهالى القرابيص إنّها بساتين استُملكت عام 1994 بقرارٍ من مجلس الوزراء لإنشاء «حديقة الشعب»، أى مرفق عام، دون تعويض مادى أو سكنى. وهنا تبرز الإشكالية بين قوانين الاستملاك للمنفعة العامّة وقوانين التنظيم العمرانى الموروثة من جهة، والإعلان الدستورى من جهة أخرى، وهو ما أشار إليه كثيرٌ من الحقوقيين.

هكذا قد يتمّ تسليم أرض عامة إلى مطوّرٍ خاصّ قبل حسم حقوق من استُملِكَت منهم. ولا يبدو واضحا لماذا تشارك المؤسسة العامة للإسكان فى مشاريعٍ خاصّة، بدل أن تبيع الأرض بأسعار السوق وتعوّض مالكيها القدامى تعويضا عادلا، وتحصل بالمقابل على التمويل الضرورى لها وللبلديات لاستكمال مشاريع السكن الاجتماعى وبنيتها التحتية المتعثّرة، وهى المشاريع التى أُنشئت أصلا، واستفادت من ميزة الاستملاك، لأجلها.

ثمّ هناك ثانيا أنّ المُكتَتِب هو المُموِّل. ففى مشروع «شام فيو» يدفع المكتتب عربوناً بين 3,000 و7,000 دولار، ثم 25% عند التخصيص (حين يكتمل 50% من أعمال البنية التحتية)، ثم 25% عند الأساسات، و20% عند الهيكل، و10% عند الواجهات، و10% عند الإكساء، فتبلغ الدفعات 90% قبل عقد البيع النهائى. ولا يستطيع المكتتِب الحصول على قرضٍ عقارى برهن ٍلتمويل ذلك، بخلاف ما يجرى فى مصر (حيث تُدعم فائدة الرهن لمحدودى الدخل) وفى الإمارات والسعودية مع حسابات الضمان.

وهكذا، ورغم الصمود الاستثنائى للمصارف السورية، العامة والخاصة، فى وجه العقوبات وانهيار أسعار الصرف، انخفض الإقراض العقارى من 9% من مجمل ميزانياتها إلى أقل من 1% فى 2024، مقابل 25 إلى 30% فى تركيا والإمارات. ويشهد هذا الإقراض نهوضا طفيفا فى الآونة الأخيرة، لكنّه بالدولار وموجَّه إلى المطوّرين، ويعيقه خصوصا شحّ الودائع المصرفية مع انتشار اقتصاد الكاش وسياسات كبح السيولة من المصرف المركزى.

وهناك أيضا المضاربات العقارية. إذ يلفت الانتباه التزاحم على الاكتتاب فى هذه المشاريع الجديدة، حتّى من فئات اجتماعية متوسطة. ويذكّرنا ذلك بأنّ 70% من الاكتتابات فى الجمعيات السكنية كانت تُباع بعقود تُسجَّل فى المحاكم قبل التخصيص وعند الاستلام، أى إنّ الاكتتاب كان فى جوهره وسيلة للمضاربة العقارية. وما أبعد ذلك عن الوضع فى مصر، حيث يُمنَع بيع السكن الاجتماعى المدعوم وتأجيره خمس إلى سبع سنوات، بعقوبة تصل إلى الحبس سنة. لكنّ بعض المشاريع الجديدة تمنع البيع حتى دفع 60% من القيمة النهائية، ثم تجيزه بموافقتها ومقابل عمولة، أى إنّ المطوّر العقارى يحتكِر السوق الثانوية رغم إعلانه أنّ الوحدات «للسكن لا للتداول».

ثمّ هناك كبح الإيجار، وهو تحدٍ كبير: ندرة المساكن المعروضة للإيجار، وارتفاع الأسعار ارتفاعا كبيرا حتى بلغت فى بعض أحياء دمشق الفارهة مستويات العواصم الأوروبية. فسوق الإيجار مقموعة منذ زمنٍ طويل فى سوريا، حتّى إنّ بعض التحليلات تردّ ذلك إلى «ثقافة عامة» فى البلاد تفضّل التملّك، ولو لم يُسجَّل فى «الطابو» الرسمى، على الاستئجار، بينما يردّه آخرون إلى قوانين التمديد الحُكمى للإيجارات القديمة التى أُلغيت منذ عقود، بحيث أصبح الإيجار «شريعة المتعاقدين»، بخلاف مصر. ومع ذلك لا يُؤجَّر فى مدينة دمشق سوى 7% من المساكن بحسب آخر المسوح، مقابل أكثر من 45% فى بيروت و30% فى القاهرة والرياض ودبى. وهذا رغم أنّ 10% من المساكن فارغة، وثلثها ينتظر منذ زمن أن يتمّ إكساؤه.

وهكذا يتزامن الجنوح نحو المضاربة العقارية والانكفاء عن الإيجار مع غياب الرسوم على المساكن الشاغرة، وغياب ضريبة القيمة المضافة العقارية.

• • •

طبيعى أنّ تنشط المشاريع العقاريّة ذات القيمة المضافة الكبيرة فى زمن النُدرة، لكن مع الشفافيّة والحفاظ على الحقوق، أمّا من أجل أولئك الأغلبيّة الأكثر هشاشةً، فالفرصة لم تضِع بعد. وليس الطريق مسدودا، بل إنّ بدايته واضحة. المعالجة ممكنة وكلفتها معروفة: ترميم المساكن المتضرّرة بقروض تمويل أصغر لا تحتاج إلى رهنٍ عقارى، وإتمام مشاريع الجمعيات السكنية والمؤسسة العامة للإسكان شبه الجاهزة بتمويل جسرى مقرون بمنع المضاربة، وإحياء الرهن العقارى عبر سجل عقارى موثوق ومصرف عقارى يستعيد دوره، وتحريك سوق الإيجار برسوم على الشاغر وحوافز للمؤجّرين.

وفى مقدمة ذلك كله، تسوية حقوق أصحاب الأرض والحائزين قبل إطلاق المشاريع لا بعدها، وهى القاعدة التى تحوّل المشروع العقارى من مصدر نزاعٍ إلى أساس للثقة. فإذا اقترنت حيوية القطاع الخاص اليوم بشفافية الأسعار وحسابات الضمان وحقوق مضمونة للسكان، أمكن أن تصير هذه الطفرة العقارية رافعة لإعادة الإعمار تّتسع للجميع، لا لمن يملك الدولار وحده.
رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية ــ ورئيس منتدى الاقتصاديين العرب

 

 

 

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved