مأزق أبي أحمد بين حروب الداخل ومخاطر التصعيد الإقليمي

عمرو حلمي
عمرو حلمي

آخر تحديث: الأحد 11 أكتوبر 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

على الرغم من استعادة القوات الفيدرالية الإثيوبية السيطرة على ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي، فإن هذا التقدم العسكري يظل محدودًا، ولا يكفي دليلًا على استعادة أبي أحمد زمام المبادرة بصورة حاسمة. فالتحدي الذي تواجهه حكومته يتجاوز السيطرة على المدن والمواقع الاستراتيجية، ليمتد إلى اتساع رقعة المواجهات المسلحة، وتعدد القوى المناوئة، وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن مخاطر انتقال الصراع إلى مستوى إقليمي أكثر خطورة.

تواجه الحكومة الإثيوبية جبهات داخلية متعددة، تشمل المواجهة مع جبهة تحرير شعب تيجراي (TPLF)، واستمرار الاضطرابات المسلحة في إقليمي أمهرة وأوروميا، إلى جانب التوترات في عفار. ويؤدي اتساع نطاق هذه المواجهات إلى استنزاف الموارد العسكرية والمالية للدولة، ويحد من قدرة القوات الفيدرالية على تثبيت المكاسب التي تحققها. كما أن تعدد القوى المسلحة واختلاف دوافعها السياسية والإقليمية يجعلان احتواء الصراع أكثر تعقيدًا من مجرد تحقيق انتصارات ميدانية متفرقة.

وتزداد خطورة المشهد مع ورود تقارير عن دخول قوات إريترية إلى الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك مناطق قرب أديجرات وإيداجا هموس في إقليم تيجراي. وقد اتهمت أديس أبابا القوات الإريترية باختراق حدودها، ورفعت الأمر إلى مجلس الأمن، ووصفت التحركات بأنها غزو لأراضيها، بينما نفت أسمرة الاتهامات ووجهت بدورها اتهامات إلى الحكومة الإثيوبية بالاستعداد للحرب. ويعكس هذا التبادل الحاد للاتهامات تصاعد انعدام الثقة بين البلدين، ويثير مخاوف من انزلاقهما إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تتجاوز آثارها الحدود المشتركة لتطال استقرار القرن الإفريقي بأكمله.

ولا يمكن فصل هذا التوتر عن الخلافات الاستراتيجية المتعلقة بالوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، ولا سيما تطلعات أديس أبابا إلى تأمين منفذ بحري، بما في ذلك عبر ميناء عصب الإريتري. فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري عقب استقلال إريتريا عام 1993، تنظر إلى الوصول المباشر إلى البحر باعتباره مصلحة استراتيجية واقتصادية بعيدة المدى، بينما ترى أسمرة في بعض التصريحات والتحركات الإثيوبية تهديدًا لسيادتها وأمنها القومي. ومع ذلك، لا تكفي هذه الخلفية وحدها للجزم بأنها السبب المباشر للتطورات العسكرية الأخيرة، وإن كانت تزيد من خطورة تداعياتها المحتملة.

وتضع هذه التطورات أبي أحمد أمام اختبار يتجاوز حسابات القوة العسكرية إلى مراجعة أولوياته السياسية والاستراتيجية. فمواصلة السعي إلى توسيع النفوذ الإثيوبي في القرن الإفريقي، أو محاولة فرض ترتيبات للوصول إلى البحر بالقوة، قد تفتح جبهات إضافية في وقت تعاني فيه الدولة من اضطرابات داخلية واسعة. ومن ثم، فإن تأمين المصالح البحرية الإثيوبية يتطلب مسارات تفاوضية واتفاقات متبادلة تراعي سيادة الدول المعنية ومصالحها، بدلًا من خيارات قد تحوّل مطلبًا اقتصاديًا مشروعًا إلى مصدر لصراع إقليمي ممتد.

وفي المقابل، لا يمكن قراءة مستقبل أبي أحمد بمعزل عن حسابات أطراف دولية ترى في استمرار حكومته والحفاظ على وحدة إثيوبيا مصالح استراتيجية، وتسعى إلى دعم بقائه والحيلولة دون انهيار الدولة أو تفككها. وكانت هذه الأطراف وراء منحه، دون وجه حق، جائزة نوبل للسلام عام 2019، رغم ما يثيره مسار الحروب والصراعات اللاحقة من تساؤلات حول مدى استحقاقه لها. كما كانت أيضًا وراء بعض التقييمات الاقتصادية المغلوطة التي تقدم صورة متفائلة عن أداء الاقتصاد الإثيوبي، لا تعكس واقعه الفعلي ولا كلفة النزاعات المسلحة وتداعياتها المعيشية. إلا أن مواصلة تلك الأطراف دعم أبي أحمد في ظل الحروب التي تشهدها البلاد واحتمالات تفاقمها لا تضمن نجاحه في استعادة الأمن والاستقرار أو الحفاظ على تماسك الدولة، فضلًا عن استئناف طموحاته الإقليمية.

وتتفاقم هذه التحديات مع استمرار الضغوط على الاقتصاد الإثيوبي، الذي يتحمل أعباء الإنفاق العسكري وتراجع النشاط في مناطق النزاع، إلى جانب تداعيات التضخم وتدهور الأوضاع المعيشية واتساع الاحتياجات الإنسانية. ولا تنحصر كلفة الحروب في الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى تعطيل الاستثمار والإنتاج، وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، وزيادة أعداد النازحين، بما يوسع الفجوة بين الحكومة وقطاعات من المجتمع. كما أن استمرار العمليات العسكرية من دون تسوية سياسية يعيد إنتاج أسباب الصراع، ويجعل أي مكاسب ميدانية عرضة للانتكاس، مهما بدا حجمها في الأجل القصير.

وتظل الشكوك قائمة حول قدرة أبي أحمد على استعادة الأمن والاستقرار في إثيوبيا، رغم دعم عدد من الأطراف الخارجية له، في ظل تعدد الجبهات الداخلية، واحتمالات التصعيد مع إريتريا، وتفاقم الأعباء الاقتصادية. كما تثير هذه الأوضاع تساؤلات حول قدرته على مواصلة طموحاته الإقليمية، وفي مقدمتها تأمين منفذ بحري وتوسيع نفوذ بلاده في القرن الإفريقي، إذ تظل قدرته على احتواء الصراعات التي تستنزف موارد الدولة وتهدد تماسكها موضع شك كبير. فمساندة بعض الأطراف الخارجية لا تضمن استعادة الاستقرار أو الحفاظ على وحدة البلاد، التي قد تنزلق إلى حلقة مفرغة من حروب الاستنزاف الممتدة، بما يفاقم أزماتها الداخلية ويقوض قدرتها على استعادة تماسكها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved