ماذا لو كان الاقتصاد الأخضر ليس أخضر تماما

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 11 نوفمبر 2022 - 8:00 م بتوقيت القاهرة

الفكرة الرئيسية للتغير المناخى أن العالم يشهد ارتفاع درجات الحرارة بطريقة مضرة جدا. ويرجع ذلك إلى زيادة الانبعاثات الكربونية فى الجو، وهى ناتجة عن العديد من العمليات وعلى رأسها إنتاج الكهرباء باستعمال سبل الطاقة التقليدية مثل البترول والفحم. ومن ثم، نبتت فكرة تخفيض الانبعاثات الحرارية كحل لهذا التحدى عن طريق تقليل استعمال سبل الطاقة التقليدية فى مختلف أنواع الإنتاج. هذا الأمر البريء جدا فى ظاهره يحمل فى طياته أجندة أخرى لا يتطرق إليها التيار الرئيسى الغالب فى الميديا العالمية. فمعنى استبعاد الطاقة التقليدية من توليد الكهرباء، وسبل الإنتاج، وعمليات التصنيع، هى تضرر أى اقتصاد يعتمد على سبل الطاقة التقليدية بأكثر من غيره. وبما أن الصين ثانى أكبر اقتصاد فى العالم اعتمادا على الفحم بنسبة 62%، ثم البترول بنسبة 19%، فهى إذا أكبر الخاسرين من هذا التحول. ولو أخذنا فى الاعتبار تراجع العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، منذ ولاية الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب، والحرب التجارية بين البلدين، والتضييق على شركات التكنولوجيا الصينية، لما استطعنا رفض فكرة أن ما وراء الاقتصاد الأخضر وتخفيض الانبعاثات الحرارية، ما هو إلا سياسة طويلة الأمد تستهدف طريقة عمل الاقتصاد الصينى. لذا تحاول الصين بدورها استيعاب هذا التوجه بالتدريج. ويظهر ذلك من تصريح الرئيس الصينى شى جين بينج أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر، حيث قال «نسعى لتحقيق ذروة انبعاثات الكربون فى عام 2030، وحياد الكربون فى عام 2060»، ولكن هل هذه المدة كافية؟ وهل الإغلاق الدورى للمدن الصناعية الصينية بحجة مكافحة الكورونا له أدنى علاقة بعملية التحول فى طرق الإنتاج؟
• • •
الشاهد أن مخرجات مؤتمر باريس 2015 والتى اتفقت على خفض درجة حرارة الأرض بمقدار 1.5%، احتلت الأجندات السياسية والعلمية، وأصبحت الحل الرئيسى المعتمد. ولو تطرقنا للموضوع من الناحية العملية ولو بصورة عامة، ثم سألنا هل نحن على الطريق الصحيح لخفض الانبعاثات بنسبة 45٪ بحلول عام 2030 والوصول إلى صافى انبعاثات صفرى بحلول عام 2050؟ الإجابة ببساطة «لا». وإليكم مثال للتوضيح، تخطط كاليفورنيا لإنفاق 10 مليارات دولار للتحول إلى السيارات الكهربائية وحظر بيع السيارات التى تعمل بالغاز بحلول عام 2035، أملا فى جعل الاقتصاد أكثر خضارا. لكن بعض المتخصصين يقولون إن السيارات الكهربائية ليست صديقة للبيئة على النحو الذى نتصوره. ومن هؤلاء المتخصصين مارك ميلز، الفيزيائى والزميل الأول فى معهد مانهاتن. يشرح ميلز الأمر فى مقابلة بتاريخ 13 سبتمبر على قناة كاليفورنيا ــ إنسايدر، قائلا، السيارات الكهربائية ذاتها تصدر انبعاثات حرارية أكثر من التقليدية، وذلك يعتمد على كيفية تصنيعها وعلى طريقة استخدامها. وحتى لو تابع العالم كله سياسة كاليفورنيا، وتحول إلى السيارات الكهربائية التى يبلغ عددها حاليا 10 مليارات سيارة، فإن ذلك لن يخفض من استهلاك البترول إلا بنسبة 10% فقط! فكل ما يحدث هو تحويل نوعية المشاكل البيئية المرتبطة باستهلاك الطاقة التقليدية، إلى مشاكل أخرى ترتبط بالتعدين لاستخراج المعادن اللازمة لصناعة البطاريات الكهربائية، وهذه هى النقطة العمياء التى يجب التنبه إليها.
لا توجد سيارة أو محرك لا يصدر انبعاثات حرارية، حتى لو كانت السيارة بلا نظام للعادم (شكمان). والسؤال الحقيقى هو أين ذهبت انبعاثات محرك السيارة، أو بالأحرى إلى أين تحولت؟ إنها ببساطة تحولت إلى مكانين. الأول هو مكان التعدين ومكان صناعة البطاريات الكهربائية وبدورهما يرتبطان بسلاسل الإمداد العالمية. وتتكون البطاريات بصورة رئيسية من أحد المعادن، مثل الكوبلت، النيكل، الليثيوم، الزنك، الألومنيوم، والمنجنيز. ولا تأتى هذه المعادن من الدول الغربية التى أوقفت أغلب أنشطة التعدين لديها، ولكن تأتى من مناطق مثل الصين، وروسيا، وأستراليا، وتشيلي! ولقد قفز الطلب على هذه المعادن 400% ومن المتوقع أن تصل الزيادة إلى 4000% فى العشر سنوات المقبلة. وتصدر هذه الزيادة الهائلة فى نشاط التعدين انبعاثات حرارية ذات تأثير عالمى وليس فقط بأماكن الاستخراج. لاحظ أن صناعة بطارية واحدة كهربائية تصدر من 10 إلى 40 طن ثانى أوكسيد الكربون بحسب سعة البطارية، بينما تصدر السيارات ذات المحرك التقليدى فى كل عمرها الافتراضى متوسط من 30 إلى 40 طن ثانى أوكسيد الكربون.
• • •
المكان الثانى الذى تحولت إليه الانبعاثات الحرارية هو محطة إنتاج الطاقة الكهربائية، والتى بدورها ما زالت تنتج الكهرباء اعتمادا على الطاقة التقليدية مثل البترول والفحم. بمعنى آخر، قد تختفى محطات البنزين تدريجيا وتتحول لمحطات كهربائية. وقد يزيد استخدام الكهرباء المنزلية لشحن السيارات. لكن كل هذا لن يقلل من استهلاك البترول لإنتاج الكهرباء. حتى لو افترضنا قدرة أى دولة الاعتماد على مصادر الطاقة البديلة لإنتاج الكهرباء، فإن ذلك غير مجدٍ اقتصاديا حتى الآن. ولقد برهنت الحرب فى أوكرانيا على تراجع الرهان الأوروبى على سبل الطاقة البديلة. هذا وفى دول الجنوب، التى تسطع بها الشمس لمدد أطول، يمكن الاعتماد على الطاقة الشمسية بالنهار، بينما بدورها تحتاج لبطاريات لتخزين الطاقة لتستمر فى عملها بالمساء. والبطاريات المستخدمة فى السيارات الكهربائية أو شبكة الطاقة الشمسية يتم صناعتها من معادن ليست سهلة التدوير، وإنما تحتاج لتكلفة مرتفعة وعملية طويلة لإعادة تدويرها. وهذا بالمقارنة بالسيارات ذات المحرك التقليدى، الذى عادة يصنع من معدنين أو ثلاث، ويغلب فيه استعمال الفولاذ. ومن ثم تسهل عملية إعادة تدويره.
إذًا هل يستطيع العالم التحول سريعا من محركات السيارات التقليدية إلى المحركات الكهربائية؟ وهل هذا أمر عملى؟ وهل يساهم ذلك فى تخفيض الانبعاثات الحرارية من الأساس؟ إن صانعى السياسة يضعون تركيزهم فى كيف نتحول إلى الاقتصاد الأخضر، بدون الانتباه بالقدر الكافى لسؤال، إذا كان المسار أخضر فعلا!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved