حلحلة هامشية.. هل تنجح جهود المصالحة بين الرباعى وقطر؟

محمد مجاهد الزيات
محمد مجاهد الزيات

آخر تحديث: الجمعة 11 ديسمبر 2020 - 7:55 م بتوقيت القاهرة

دارت مجددا عجلة الحراك فى ملف المصالحة بين الرباعى مصر والسعودية والإمارات والبحرين، من جهة، وقطر على الجهة الأخرى، باستئناف جهود الوساطة الكويتية والعمانية، وبإسناد أمريكى خلال الزيارة التى قام بها جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مؤخرا إلى الرياض، ربما أسفرت تلك الجهود عن تحريك المياه الراكدة فقط فى هذا الملف دون أن تشكل نقلة نوعية فى مسار الأزمة، بالنظر إلى تأكيد الأطراف على مواقفها من طبيعة الأزمة فى ظل الاستمرار فى معالجة بعض الأعراض من على السطح دون الخوض فى عمق الأزمة وجذورها.
ويستدعى هذا السياق، أولا تسليط الضوء على جهود الوساطة ودوافعها، فثمة قواسم مشتركة بين كل من الكويت وعمان فى إعادة تطبيع العلاقات داخل البيت الخليجى، لاسيما فى إطار مجلس التعاون، الأمر الذى يفسره أن مركز الحراك كان الرياض، كما لم يشمل القاهرة بدعوى أنه يمكن أن يتم فى خطوة لاحقة، وكذلك الأمر بالنسبة للإمارات التى لم تكن إحدى محطاته من منطلق أن استجابة الرياض لجهود المصالحة يمكن أن تنعكس على تليين موقف الإمارات تجاه الملف. وبالتالى اعتمدت جهود الوساطة خطة أقرب إلى مسار الحلحلة بالتدريج.
***
وبخلاف تلك القواسم المشتركة بين الكويت ومسقط، يمكن القول إن الجهود التى بذلها الأمير الكويتى الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح ارتبطت باستثمار التقدير الخليجى لشخصيته مع جميع القيادات الخليجية، لكن الدافع الرئيسى الذى سعى إليه الراحل كان الحفاظ على الحد الأدنى لصيغة مجلس التعاون الخليجى دون الدخول فى تفاصيل الخلافات القائمة بين الطرفين، ولكن تأثرت عملية الاستجابة لتلك الوساطة الكويتية بفعل الممارسات القطرية فى المقابل، فقد جرت خلال سنوات المقاطعة مياه كثيرة فى النهر، زادت الأزمة تعقيدا، منها تنامى مستوى العلاقات القطرية ــ التركية إلى مستوى غير مسبوق على الصعيد الأمنى، فقد وقع الطرفان اتفاقية دفاع عسكرى مشترك، وهو ما اعتبر نوعا من الاختراق التركى لمنطقة الخليج، ناهيك عن تنسيق الأدوار المشتركة فى العديد من المواقع، ربما أبرزها التنسيق القطرى التركى فى الملف الليبى، وربما بدرجة ما انفتاح قطر على الحوثيين فى اليمن. بالتزامن مع التقارب فى العلاقات القطرية ــ الإيرانية، التى كان لها تجليات لا تقل فى انعكاساتها على أمن الخليج.
أما بالنسبة لمسقط، فقد ارتبطت جهود الوساطة بالاسترايتجية الثابتة للسياسة الخارجية العمانية الحريصة على تأكيد مبدأ الإبقاء على صيغة مجلس التعاون بوضعه الحالى، إلى جانب رافض مزاحمة أو منافسة أى قوة إقليمية من خارج الدائرة الخليجية فيما يتعلق بشئون تلك الدائرة، فضلا عن رفض عمان لمبدأ المقاطعة، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية العمانى بدر البوسعيدى مؤخرا فى مؤتمر المنامة بأنه لا يوجد فى قاموس الدبلوماسية موقف «المقاطعة» وكأنه يستنكر الأمر، وهو ما انتقده وفنده بالحجة والبرهان رئيس الاستخبارات السعودى السابق الأمير تركى الفيصل.
***
الواضح إذًا أن مسار الوساطة طوال العامين الماضيين لم ينجح فى حلحلة الخلاف إلا أن الكويت واصلت جهودها مستفيدة من الضغط الأمريكى فى الشهور الستة الأخيرة لدفع هذا المسار الذى تنخرط فيه واشنطن «ليس حبا فى قطر ولكن كرها فى إيران»، على اعتبار أن إنجاز المصالحة سيغلق أحد الأبواب التى تستفيد منها طهران للقفز فوق العقوبات الاقتصادية، ولتنفيذ مشروع كوشنر لصياغة تحالف خليجى تندمج فيه إسرائيل، ومن يرغب من دول المنطقة تكون الإطار الأساسى للمواجهة مع إيران.
وجاء الإعلان الكويتى عن إنهاء الخلاف مع قطر والذى أعلنه وزير الخارجية الشيخ أحمد ناصر الصباح، الذى صرح بشكل متفائل بأن الأزمة طويت، كما وجه الشكر لكوشنر على جهوده التى ساعدت فى التوصل إلى هذه النتيجة، فى حين لم يكشف البيان الكويتى تفصيلا إلى ما تم الاتفاق عليه، بل ولم ترد أى إشارة إلى الشروط التى سبق وحددتها دول الرباعى مع قطر، إضافة إلى علامات الاستفهام حول باقى الأطراف المعنية بالملف، وما إذا كانت مع دول الرباعى مجتمعة ومصر بصورة خاصة، وزاد من غموض الإعلان الكويتى إذا ما كان قد تم الاتفاق على تحقيق مصالحة أم تهدئة للخلاف.
على الجانب الآخر، كان رد الفعل المصرى الرسمى إزاء هذا الحراك واضحا وكاشفا لتقييم القاهرة لما جرى، حيث تم التأكيد على تقدير مصر لجهود الكويت، وضرورة أن تسفر هذه الجهود عن حل شامل يعالج جميع جذور الأزمة، وضرورة ضمان الالتزام بدقة وجدية ما يتم الاتفاق عليه، وأن مصر من أكثر الدول حرصا على الحفاظ على التضامن العربى، وتحقيق الاستقرار فى المنطقة. وفى السياق ذاته، جاءت «تغريدة» وزير الدولة للشئون الخارجية الإماراتى أنور قرقاش التى أكد فيها موقف دولة الإمارات التى تثمن جهود السعودية فيما جرى من حوار لتحقيق تلك المصالحة نيابة عن الدول الأربع، وركز بالتحديد على دور مصر فى المحافظة على الأمن العربى، ليزيل بذلك بعض علامات الاستفهام حول مدى تماسك صيغة التحالف الرباعى فى التعاطى مع تلك الجهود.
***
فى ضوء هذه التفاعلات، من المتصور أن السؤال الذى يعاد طرحه مجددا مواكبة لهذا الحراك، هو.. هل يمكن أن تنجح هذه الوساطة فى إعادة العلاقات إلى طبيعتها بين دول التحالف الرباعى وقطر؟ فى حقيقة الأمر يبدو أن هذا الخلاف الذى تصاعد بين الطرفين لم يكن قائما على مصالح تحتاج إلى حسم أو تقديم تنازلات، ولكنها كانت حول ممارسات قطرية اعتبرتها القوى الرباعية تمس بمصالحهم الحيوية، وتحديدا التآمر لدعم المعارضة لزعزعة الأمن فيها الأمر الذى يتطلب إثبات حسن النوايا من جانب قطر أولا كمدخل لحلحلة الأزمة، وطرح قضايا الخلاف بصورة واضحة على طاولة التفاوض، والاتفاق على آلية للتنفيذ تضمن جدية ما يتم الاتفاق عليه.
لكن ما جرى يكشف أن محصلة هذا الحراك لا تتجه نحو تحقيق مصالحة حقيقية وفعلية ولكن العمل على تقريب المواقف بين الطرفين، على أن تناقش قضايا الخلاف لاحقا، ربما بهدف إنجاح القمة الخليجية المقبلة، كما أن التجاوب القطرى الشكلى والمحدود ربما ارتبط فى جانب منه برغبة الدوحة فى التوصل لتفاهمات تعزز من مصالحتها فى تنظيم أفضل لكأس العالم. وبالتالى يبدو أن الاتجاه الأكثر ترجيحا هو تخفيف مستوى المقاطعة. ومن جهة أخرى تحرص دول الرباعى العربى على تماسك تحالفها كمحور للحركة والتعامل مع التطورات الإقليمية الجارية فى المنطقة، ومن ضمن حساباتها أن التوصل لتفاهمات مع قطر لن يكون على حساب تماسك هذا التحالف، خاصة وأن تحقيق مصالحة حقيقية سوف يستغرق وقتا طويلا وجهودا مكثفة فى ظل وجود عدد كبير من الملفات التى يصعب حسمها، وفى صدارتها ملف التحالف القطرى التركى، والتقارب القطرى ــ الإيرانى، فضلا عن معالجة معضلة الانصهار القطرى مع تنظيم الإخوان المسلمين، والذى أدرجته دول التحالف الرباعى تنظيما إرهابيا.
فى الأخير، يمكن القول إن الجهود الكويتية العمانية الأمريكية قد خطت خطوة إيجابية على طريق الحل، تتمثل فى عدم تصعيد الاحتقان القائم بين الطرفين عن ما هو عليه، إلا أنها لم تدخل إلى عمق الخلاف وتفاصيله، وهو ما يعنى أن هذه الخطوة سوف تبقى محدودة وترتهن على مدى التجاوب القطرى الجاد، وانعكاسات الموقف التركى ذى التأثير فى السياسة القطرية لتحقيق تلك المصالحة أو الاستفادة منها، وإن كان مقدرا على هذا المستوى أن الضغط الأمريكى يظل مؤقتا هو الآخر ورهن التغير الجارى فى الإدارة الأمريكية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved