الرئيس والمواطن

أشرف البربرى
أشرف البربرى

آخر تحديث: الخميس 12 فبراير 2015 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

أخشى أن يكون رد فعل الرئيس عبدالفتاح السيسى على كارثة استاد الدفاع الجوى التى راح ضحيتها 19 شابا على الأقل، ترجمة لرؤية رئاسية جديدة لقيمة حياة المواطن العادى الذى لا يرتدى «البدلة الميرى» حتى لو كانت حياة هذا المواطن قد انتهت على أعتاب منشأة سيادية وتحت سمع وبصر وربما بمساهمة من جانب جهاز سيادى آخر.

فقد اكتفى الرئيس ببيان صادر عن مؤسسة الرئاسة جاء فيه «تنعى رئاسة الجمهورية بكل الحزن ضحايا الأحداث المؤسفة التى شهدتها المنطقة المحيطة باستاد الدفاع الجوى والتى أودت بحياة عدد من أبناء مصر الأبرار. ويتابع الرئيس تطورات الموقف مع رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء، حيث أكد الرئيس على أهمية انتهاء جهات التحقيق من كشف ملابسات الأحداث وتحديد المتسبب فيها».

عفوا سيادة الرئيس، الأمر كان ومازال يستحق أكثر من هذا البيان لأن هؤلاء الضحايا سقطوا وهم فى عهدة دولتكم ونتيجة لفشلها فى القيام بمسئولياتها بالحد الأدنى من الكفاءة. وإذا كنا ننتفض جميعا عندما تنال يد الإرهاب والغدر بعضا من أبناء الوطن فى الجيش والشرطة، فيجب ألا يكون رد الفعل عندما يفقد مصريون آخرون أرواحهم نتيجة تقصير من السلطة أو تغول منها أقل قوة حسما.

يخطئ من يتصور أن الدم المصرى عاد رخيصا كما كان قبل 25 يناير. ويخطئ أكثر من يتصور أن الشعب سيسمح تحت أى ظرف من الظروف بأن تتحول السلطة فى البلاد إلى قصور وسيارات فارهة وأبهة من دون محاسبة أو مسئولية. ويخطئ أكثر وأكثر من يتصور أن الذين يطالبون بحق الدماء التى تسيل وبضرورة وضع السلطة أمام مسئولياتها يهددون الاستقرار المزعوم الذى لم يجن الوطن منه طوال سنوات حكم حسنى مبارك إلا الكوارث المتلاحقة التى كبدت مصر من الخسائر أكثر مما تكبدته فى حروبها ضد إسرائيل وفى حربها ضد الإرهاب.

ترتكب السلطة جريمة كبرى عندما تجعل من دماء ضحايا الجرائم الإرهابية وحدها هى الدماء المقدسة المستحقة للتكريم والتقدير، ثم تجعل من دماء جرائم الإهمال أو الفشل الحكومى دماء رخيصة لا تساوى أكثر من بيان مطبوع لا يصل عدد كلماته أحيانا إلى عدد ضحايا الكارثة.

إن ترك مذبحة الدفاع الجوى تمر مرور الكرام ربما يكون المسمار الأول فى نعش نظام حكم مازال لدى الكثيرين منا أملا فى نجاحه للعبور بالبلاد إلى مرحلة الاستقرار الحقيقى. فنظام الحكم الذى لا يهتز عندما يموت 20 شابا لمجرد رغبتهم فى مشاهدة مباراة كرة قدم تحميها الداخلية ويستضيفها «الجيش» يقامر بشرعيته التى يستمدها من التزامه بحماية أرواح المواطنين قبل أى شىء آخر.

تأكيد البيان الرئاسى على ضرورة «كشف ملابسات الأحداث وتحديد المتسبب فيها» هو محاولة لتخفيف وقع الكارثة التى سماها «الأحداث المؤسفة» لأن هناك مسئولين لا نحتاج إلى تحقيقات لتأكيد مسئوليتهم الجزئية على الأقل عن الجريمة فى مقدمتهم رئيس الوزراء والوزراء الذين اتخذوا قرار عودة الجماهير إلى المدرجات من دون أن تكون لديهم كل السيناريوهات المتوقعة وسبل التعامل معها ودور كل جهة فى كل سيناريو حتى لا تتحول مباراة كرة قدم إلى كارثة تعتبرها الرئاسة «أحداث مؤسفة».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved